فهرس الكتاب
ولقد سئل الفقيه التابعي الجليل نافع المدني رحمه الله، مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ووارث علمه، عن تضحية لا يحركها أمر قائد ولا توجبها خطة، فقيل له:
(هل يحمل الرجل إذا كان في الكتبية بغير إذن إمامه؟
فقال: لا يحمل على الكتبية إلا بإذن إمامه) (1) .
وهذا جواب صريح: أن المسلم المنتمي إلى كتبية إسلامية لا يهجم علىكتيبة العدو إلا بإذن قائدها.
وظل هذا الفقه يحكم التضحيات، وينظم صرفها قرونًا طويلة، حتى أخذه ابن قدامة الحنبلي، أحد أعلام الفقه المقارن، فقال:
(لا يخرجون إلا بإذن الأمير، لأن أمر الحرب موكل إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه، لأنه أحوط للمسلمين) (2) .
فإذا كان هذا هو الأصل، فمن باب أولى أن يمتنع الذي هفا أول مرة واستعجل وأخطأ فصدر له الأمر بالامتناع، فإنه يظل في استثناء، حتى أن الأمر اللاحق الذي يستنفر الجميع لا يشمله، إلا أن يأذن له القائد إذنا خاصا يلغي منعه الأول، فقد:
(سئل الإمام أحمد عن الإمام إذا غضب على الرجل فقال: أخرج، عليك ألا تصحبني، فنادى بالنفير، هل يكون إذنا له؟
قال: لا، إنما قصد له وحده، فلا يصحبه حتى يأذن له) (3) .
فلا يباح للمطرود من صف الجماعة، ولا لعموم الدعاة، أن يتحركوا وفق اجتهادهم أبدًا، لشمول الخطر الناجم عن أخطائهم المحتملة وتعديه إلى كل المسلمين، وكم من مشكلات أتت من قبل صاحب هوى، غوى، فطرد، فأراد التعويض من طريق يظنه قصيرًا، ففشل، فأتعب الناس من بعده.
إن البيعة توجب طاعة الأمير في كل خطوة.
(إلا أن يتعذر استئذانه، لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه، لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم.
(1) مسند الإمام أحمد، حديث رقم 4873.
(2) المغني 8/364.
(3) المغني 8/364.