ومنه نوع خامس أكثر غرابة، إذ يسخر الشيطان لعاشق المدح من يقوم بدور متوسط، فهو لا ينصحه، يخاف أن تتجدد ثورته، ولا يمدحه، يخاف أن ننكر عليه، بل يلجأ إلى ذكر عيوب أقرانه الآخرين، يرمي زيدًا بالسذاجة، وعمرًا بالدنيوية والكسل، فتهدأ النفس الثائرة، وتطرب من جديد، ونرى فيها صورة واقعية تصدق الفضيل حين يقول:
(إن من علامة المنافق أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه) .
كفى بالله مزكيا
لكن الكيس من دان نفسه دائمًا، واتهمها بالتقصير، ورأى أن ما يعمله مهما كثر قليل بجانب حقيقة شكر الله.
وأحد السبعة الذين يظلمهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بيمنه صدقة لا تعلمها شماله، ومثله الذي يفتح الله على يديه بالأعمال الصالحة لا يعلمها إلا قليل، ويراها المسلمون فلا يعرفون صاحبها والدعاة يهتفون من أول يومهم أن: الله غايتنا.
فما ضرهم أن يحشروا مع قتلى نهاوند الذين لا يعرفهم الناس، بل الله يعرفهم.
يقول مدرك بن عوف الأحمسي:
(بينا أنا عند عمر رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رسول النعمان مقرن، فجعل عمر يسأله عن الناس، فجعل الرجل يذكر من أصيب الناس بنهاوند، فيقول: فلان بن فلان، وفلان بن فلان، ثم قال الرسول: وآخرون لا نعرفهم.
فقال عمر رضي الله عنه: لكن الله يعرفهم) (1) .
وفي لفظ آخر:
(ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم) (2) .
وإنما يسد باب الفتن في الدعوة بمثل هؤلاء الجنود الذين يجردون عملهم الله، ولا يحفلون بمعرفة غيرهم أو جهلهم لما يعملون، وإلا فإنها سام الشيطان قاتلة.
إن الله جميل يحب الجمال.
يحبه لعبده، يريده أن يكون جميلا.
وأجمل الجمال: تجريد العبودية لله تعالى، خالصة، نقية، من غير خلط.
ليس للجمال الذي يحبه الله ترجمة أرفع من هذه.
عيش مع جمال موازين الإسلام.
ومع جمال حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
(1) الخراج لأبي يوسف/35.
(2) مجلة (المسلمون) /35.