الصفحة 29 من 172

ومع جمال فقه ورثته من المجتهدين.

ومع جمال سيرة أئمة المؤمنين، من مجاهد وزاهد، وجندي وقائد باستقلال.

فمن خلط المعية فقد شان الولاء وغلظ.

ولكن يجرده، على الذي لنا من مذهب أبي القاسم الجنيد البغدادي.

قال أبو بكر الكتاني:

جرت مسألة في محبة الله تعالى بمكة، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سنا، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي.

فأطرق رأسه، ودمعت عيناه، ثم قال:

(عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر به، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه.

فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله.

فهو بالله، ولله، ومع الله) (1) .

مع الله في كل حال...

*مع الله في سبحات الفكر:

يسيح فكره في خلوات الليالي مع عظيم صنع الله، يتدبر خلق الأرضيين والسماوات وما فيهن من جمال وكمال، وتجول خواطره مع ما يوجبه الله عليه من النذارة والدعوة إليه.

*مع الله في لمحات البصر:

يرى الآيات التي تدل على أنه واحد، ويطالع دلائل إعجازه، ويشاهد واقع الناس، ما بين محبوب مطمئن أنزل الله سكينته عليه وألبسه رداء المهابة، وقلق مذموم ملعون، قد حلت نقمة الله فيه.

*مع الله حال احتدام الخطر:

يوقن أن الله لا يخذله عند وقوع الأذى وتصاعد الصراع، وأن فوق عسر المحن يسرًا ربانيًا، يستجلبه بوحدة يحرص عليها مع إخوانه المؤمنين، يراغم الشيطان بها عند اختلاف الاجتهاد، وتزيينات الانفراد.

*مع الله في الرهط والمؤتمر:

يستمتع بجمال زحف النبي بعد النبي، يقاتل معهم من أرهاط الربيين كثير، ويعرف ما يحبه الله من ضوابط العمل الجماعي والتآمر بالمعروف، وأنه لا مؤتمر إلا واحتمال تباين الرأي قائم خلال محاوراته، وأنه لا خطر في التباين إذا لم يكن ثم انتصار للنفوس.

*مع الله في حب أهل التقي:

يغبطهم على حكمة أوتوها، ومزيد عمل وفقوا له، فيشغفهم ودًا، ويتملق لهم لما يرى كلمتهم مجتمعة، وخطتهم واحدة، عساهم يدخلونه الزمرة.

(1) مدارج السالكين 3/16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت