الصفحة 2 من 172

إلا أنه نزف مؤلم من جرح آذاني، لم أستطع معه كبت الأنين، فخالطت لغتي الرقيقة ألفاظ عتاب شديد وتأنيب وتقريع، عسى أن تنكسر لأنيني قلوب المختلفين، فتعاف لغطها اللاهب، وتسكن إلى إفياء التآخي الباردة.

بل هي تنهدات وعبرات، تابعت بها كمال عبد الرحيم رشيد، في شدوه مع الغرباء، يوم:

آذاه جرح أوجعه، فبكي وأبكي من معه

جرح قديم راعف، أحيا القصيد ورجعه

فكان هذا الإحياء لقصيد فقهاء الدعوة، وكان هذا الترجيع، الذي لا يملك معه صاحب القلب الصادق إلا المشاركة في البكاء.

غير أنه بكاء له نسب مع بكاء الحسرة واليأس، فإن من العار أن نبكي هذا البكاء الممنوع شرعًا، كما أن من الظلم للجيل الجديد من ناشئة الدعوة أن نبكيهم ونحن نراهم يفتحون تباعا أبواب الآمال في همة عالية وتصميم على الاستدراك، إنما هو بكاء مفروض في الفطرة على كل نفس، عند كل وخزة مؤلمة، يخالطه بكاء حياء بين يدي رب رقيب سبحانه، يحب أن يرى مآقي عبده تترقرق فيها دموع الخشية بعد الأخطاء.

فانزل أخي، واسق زهرتي، فإن أمامك مزالق وعوائق، وهي منتصبة لك، تداعب أوراق الحمراء نسمات الإيمان، تنبهك إلى أدب السير في... هذا الطريق.

عهود متكاملة تلك التي يلتزم الدعاة بها، لا ينفك بعضها عن بعض، ولا تتجزأ.

فهم يعلنون ميثاقهم مع أول قدم:

الكفوف في الكفوف……فاشهدوا عهودنا:

الثبات في الصفوف ……والمضاء والفنا

فكما أنهما المضاء والفناء تسرع إليهما عصبة الدعاة الفقهاء، عبر جهاد مستبصر، فإنها الطاعة الواعية، والثبات في صفوف لا تسمع خلالها لاغية.

وكما أن الإيمان بالجنة يدفع إلى سباق في الجهاد، فإنه أيضًا يدفع إلى سباق آخر في الطاعة والحب الأخوي والصفاء القلبي، بين أفراد الجماعة المسلمة، كل يحرص على أن يكون ضمن المقدمة السابقة، والزمرة الأولى التي تدخل الجنة، بما كان لهم من الوحدة، وأنهم -كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم-:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت