الصفحة 110 من 172

نسميه تركا، وهو أفضل الجهاد، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أفضل الجهاد: أن يجاهد الرجل نفسه وهواه) (1) .

ولا تستغربن ذلك، فإن قتال الكفر لا ينفر له عبد رياسة أو درهم ودينار.

كان من خبر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إزاء علم الشر ما قصصناه آنفًا، وعلمنا مقدار حرصه على تمييز الفتن، ومقدار تطلعه لنيل أجر النذارة لقومه، والتيقظ لفضح اقترابها المستتر بأنواع التدليس، والمتخفي بظلام الشبه.

والذي يبدو للمتأمل في تواريخ الفتن وتسلسلها أن (ظلام الشبهات هذا يكاد أن يكون هو الظرف المثالي الذي تفضل اختياره لبدء تغريرها بالمؤمنين، إذ لا يزال ظلام الحرام البين دامسا مخيفا يرهب أقل الناس إيمانًا أن يلج فيه، ولكن ظلام الشبهة أقل أسودادًا، وهو بالغبش أشبه منه بالحلاكة، وربما تخللته ومضة، وخففت منه بقية خيط أبيض، فيتوهم المؤمن، فيلغ، وفي ظنه لا خلابة ثم، حتى يستغلق الظلام من حوله فيؤرب ناجيا بمشاقه وقلب راجف واجف، أو يرهب الأوبة بعد إذ قطع الظلام عليه طريق رجوعه واستوى ما هو قدامه وخلفه، ولا يبدع أن يعتاد وحشة الظلام، ويألفها، ويترك التفكير بعودة.

مثل صريع الإغراء في ذلك مثل التاجر الماشي في سفر ومعه راس ماله، فإن كان نبها، وقارب مصرًا آهلا حين الغروب: بات فيه واستأنف مع وضح النهار، وإن لم يكن كذلك، وكان محروما حاسة الاحتياط والحذر، فإن الشفق يشدهه، ولا يفطن لما بعده من عتمة، فيظل سائرًا، حتى يتوسط القفر، ويصعب عليه التقدم أو الرجوع، فإذا كان معه لص في خطوه الأول يهيج غرامة بالشفق، ويأتيه بأبلغ أقوال الأدباء في جماله، ويرغبه بنيله قبل اعتداء الأفق عليه: فإن اللص ينفرد به بعد، ويسلبه ثروته.

سراج وقوده التوبة

(1) صحيح الجامع الصغير للألباني 1/361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت