الصفحة 80 من 172

إن الجيل الجديد من رجال دعوة الإسلام الحديث -إذ هو يتفقه اليوم في حلقاته الدراسية لاستدراك ما صنعته فتن الأمس- مدعو إلى ملاحظة المغزى العظيم المهم لقصة عبد الله بن عكيم، وتجربته الصادقة.

لا تكن ساذجًا أيها الداعية، فإنها تحريشات من حولك لسفك دم الدعوة.

احذر، والتفت إلى عيب نفسك، وصن سمعك وسارر بنصيحتك ونقدك، ولا تعن بلسانك.

إنه دم الدعوة.

منظر جميل في كل بدل منظر أولئك البسطاء المتواصعين من أهل الأرياف والقرى حين يجتمعون يوما في الأسبوع يقيمون سوقهم فيما بينهم، فيتبادلون إنتاجهم مقايضة، ويبيعون للغريب ما جمعوه جملة، بلا ميزان مدقق أو حساب طويل، يبنون تعاملهم وبيوعهم على النيات البيضاء، والحياء، والقناعة، وأسس الكرم، وشكر الله على ما يمنحهم من رزق، حتى إن أحدهم ليذهب من سوقه ليبذر بذره، فيقول مع كل حفنة حبوب ينثرها على أرضه: للطير وما قسم الله، يرى للطير حقا في كرمه.

لكنا لتعقيد والتدقيق إنما يكون في أسواق المدن، ونيات التطفيف تجدها عند كثير ممن يبيع أو يشترى من أهلها، يريد البائع أعلى ربح، ويريد المشتري أرخص ثمن، ولذلك احتاجوا إلى الموازين واعتبروها حكما بينهم، وباتت تبعد شبهة التطفيف والمخادعة عن الطرفين، فلا تبقى أحدهما قلقا، كما أصبحت تمنع شهوة التطفيف بعد ذاك، يستطيع أحدهما التحايل، خوفا أن يفضحه الميزان.

وأنوار الفطنة هذه التي لا زلنا نمشى في أضوائها إنما هي موازين أيضا، ترد الشبهات وتجليها، وتبرد الشهوات وتسكنها إذا لف التعقيد مجتمع الدعاة، واستعرت الفتن أو اقترب ظلامها، ولذلك كان ابن تيمية كثيرا ما يصف المؤمن بأنه صاحب"بصر نافذ عند ورود الشبهات، وعقل كامل عند حلول الشهوات"، وركز على وجوب غلق هذين البابين اللذين تقتحتم الفتن منهما حصن الجماعات: الشبهات والشهوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت