الصفحة 143 من 172

ثم قال: (وقال النووي: وأما المبتدع ومن اقترف ذنبا عظيما ولم يتب منه فلا يسلم عليهم ولا يرد عليهم السلام، كما قال جماعة من أهل العلم، واحتج البخاري لذلك بقصة كعب بن مالك) .

قال (وهو مما يخص به عموم الأمر بإفشاء السلام عند الجمهور) (1) .

وليس ترك الجماعة والنزاع معها وعصيان أوامرها بأقل من هذه الذنوب التي ذكرها جمهور الفقهاء، والتحلل من الوفاء ببيعة واجبة من أكبر خوارم المروءة فوق كونه حرامًا.

فانظر لنفسك أيها المخالف.

إن كنت تتأول لنفسك وتأبى التغافر والإلتفات إلى عيب النفس، و تلزم النجوى، والجل، ولا تقيس حالك على التعرب بعد الهجرة، ولا تريد الاتعاظ بالتاريخ، ولا تتقى طبائع آخر الزمان، فهلا ترفق بحالك إزاء مؤمنين سوف لا يسلمون عليك ولا يستغفرون على جنازتك يوم موتك؟

فاحفظ مصلحتك، وتواضع، وامش مع القافلة، نحفظ لك حقك ما دمت حيا، ونوصلك إلى قبرك باستغفار، ولا ندع النائحة المستأجرة تنفرد بنعيك!

بلغنا أن زاهدًا كان كثير الوصية والنصح لأصحابه، يروي لهم كل يوم طرفا من تجاربه في الحياة وتأملاته في طبائع النفوس، فلما أنهى حديثه قال له مقدم أصحابه: لو أوجزت أيها الشيخ معناك في جملة تكون لنا شعارًا!

فقال الشيخ: نعم، أفعل.

فقام، وكتب على الجدار الذي يجلسون عنده، بخط كبير:

(لا تمضوا في طريق اليأس، ففي الكون آمال، ولا تتجهوا نحو الظلمات، ففي الكون شموس) .

ثم انصرف.

فكانت الشعار.

حكمة تضع نفسها أمامنا مع انتهاء استعراضنا للأنوار الثلاثين المختارة، تشير إلى الاكتشاف الذي لا بد أن يصل إليه كل مشتغل بتربية النفوس ومعامل لها.

حقيقة يراها الجميع.

أن بعض النفوس تستلذ اليأس، وتعشق الظلام، لكن الأمل من حولها واسع، والنور غامر.

ولذلك وجبت هذه الربتة الخفيفة على كتف المطرق المطأطئ الملتف، تنبهه إلى سكينة قريبة منه لو تناوش، وهالة جميلة فوقه لو رفع رأسه ونظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت