إقبال حين الإدبار.
ووفاء حين الغدر.
ومعين حين الإنكار.
لا يبالي بعدها أن جهل اسمه الجاهلون أو ذهل عن نسبه الناظرون، طالما أ،ه شمخ بمنقباته على حضيض من حام حول دنيا وحظوظ، وتسامي بهن محلقا إلى الأفق الأعلى.
ثم يظل خير طالب السلامة يزداد ويعظم حتى يكون مربيا لغيره معلما، يعلمهم سبيل الستر والبراءة، كما كان التابعي الجليل كعب بن سور رحمه الله، فإنه لما حدث الخلاف بين الصحابة، وجر إلى القتال:
(دخل في بيت، وطين عليه، وجعل فيه كوة يناول منها طعامه وشرابه اعتزالا للفتنة) (1) .
ومن لم يخبر التربية يظن ذلك تكلفا يهيجه الرياء، وربما سارع إلى رمي كعب بقلة العقل، ولكنها التربية بالمنظر العملي، يفعل ذلك ليراه المتورط المستدرج والمدعو المغري فيكون ثم سؤال من أنفسهما لأنفسهما ومراجعة وتحقيق وتدقيق، لعل القلوب تسكن وتهدأ فترجع إلى العقول فكرتها وتنظر الأمور مع عاقبتها، وتتجاوز رؤية يومها إلى مصيرها في غدها.
وإنما يكون هذا الاعتزال إذا كان ثمة إشكال، أو إرهاق ودماء.
أما حين تتوافر الأدلة على شرعية أمير، فليس غير الطاعة، مهما نازعه الناكثون.
ما برح مقدار إدراك معنى الأخوة يميز ويفاضل بين الدعاة. ولن يرتقي داعية إلى أوج الوعي إلا إذا اعتبر إبراز خلق الأخوة الإيمانية وتعليم موازين الإخاء هدفا أساسيًا من بين أهداف الدعوة الإسلامية، وإلا إذا أدرك أن إحلال هذا الخلق في التعامل الواقعي بين المسلمين، وتجسيده في صورة جماعة عمل متآخية، يخول الدعوة دعاء النجاح، ويمنحها لوحدة مسوغ الوجود حتى ولو لم تصب سرعة التأثير، أو صد عنها جمهور سذج الناس صدودًا.
أخوة العمل لله
إنها أخوة العقيدة التي يكفي تمثلها في فئة قليلة، تورثها بالتعليم إلى خلف يواصل إحياءها.
(1) طبقات ابن سعد 7/92.