الصفحة 34 من 172

والرجل كل الرجل من داوى الأمراض من الخارج، وشرع في قلع أصولها من الباطن، حتى يصفو وقته، ويطيب ذكره، ويدوم أنسه).

سماها رجولة، ووافقه مصطفى صادق الرافعي في ذلك، فقال:

(إنما الرجولة في خلال ثلاث:

عمل الرجل على أن يكون في موضعه من الواجبات كلها قبل أن يكون في هواه.

وقبوله ذلك الموضع بقبول العامل الواثق من أجره العظيم.

والثالثة: قدرته على العمل والقبول إلى النهاية) (1) .

ولو استقام العاملون على هذه الثلاث لما وجدت فتنة مجالا للظهور أبدًا.

أداء الواجب، بانتظار الأجر الرباني لا الثناء العاجل ولا الرئاسة.

والثابت على ذلك.

نعم، هو علاج صعب... لكنه لذيذ.

صعب وشديد، كما قال أبو العتاهية:

أشد الجهاد جهاد الهوي……وما كرم المرء إلا التقى

وأخلاق ذي الفضل معروفة……ببذل الجميل، وكف الأذى

أي كف أي ظنونه وأذى لسانه، عن المؤمنين، ويزداد شدة إن أطال الإهمال فيما قرر المحدث الثقة الزاهد الكوفي محمد بن كناسة في قوله:

إذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى

فإن فطام النفس عنه شديد (2)

لكن صعوبة هذا العلاج تخف بعد المباشرة فيه، ويأتيه المدد نم رب رحيم.

وحين ذاك، ومع كل جولة ينتصر فيها على هواه، ينتشي ويلتذ لذة ليس كمثلها لذة، كلذة من يرتقي قمة صعبة ويعلوها، فإن:

(في قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة) .

كما يقول ابن الجوزي (3)

وإنما نعني بعلاج الهوى: مناقضته ومخالفته، والعمل بضد ما ينادي، كما ورد في قول الشاعر:

هي النفس إن أنت سامحتها……رمت بك أقصى مهاوي الخديعة

فإن شئت فوزا فناقض هوها……وإن واصلتك أجزها القطيعة

ولا تعبأن بميعادها………فميعادها كسراب بقيعة (4)

بل ربما ذلك لا يكفي، فإنه يراوده مرة أخرى، ولكن نحتقره على طريقة سيد الزهاد إبراهيم بن أدم حين وصفه ابن أخته محمد بن كناسة:

(1) وحي القلم 1/368.

(2) الأغاني 13/342.

(3) صيد الخاطر/58.

(4) نفح الطيب 7/362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت