أي أن الداعية المسلم حيث يبحث مستقبل الدعوة الاسلامية عليه أن لا يفترض مجرد افتراض بقاء وثبات المجموعة الحازمة ضمن الأمة الإسلامية الواسعة ثبات استمرار على مر العصور، إذ تقنع بمثل هذا الافتراض كل نفس مليئة بالأمل، ولكن يتيقن الداعية ذلك يقين عقيدة.
تكامل يتبادل الخير
وذو النظر الجزئي يصرف المقصود بهذه الأمة إلى صنف من العاملين يبهره خيره وفضله، فمن قائل أنهم أهل الحديث، ومن قائل أنهم الفقهاء، أو ثالث يرى أنهم الزهاد، أو الأمرة النهاة عن المنكر.
والصواب أنها الأمة المتكاملة الاختصاصات، التي يعطي وجودها صورة حركية بحاجات الإسلام المتعددة، كما رآها الإمام النووي:
(فرقة من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله تعالى، من مجاهد وفقيه، ومحدث وزاهد، وآمر بالمعروف، وغير ذلك من أنواع الخير ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد، بل يجوز أن يكونوا متفرقين) (1) .
يعني تفرق المكان، الإنبثات والانتشار، لا تفرق الكلمة والبعد عن التشاور وإهمال الأسلوب الواحد.
وهذا من فقه النووي في العمل ومعاني الدعوة.
أما من قصرها على طائفة معينة فإنما يصيب بمقدار ما في الواحد النموذج من أفراد تلك الطائفة من كمال في الصياغة التربوية والعملية، كالإمام أحمد بن حنبل حين ذكر أنهم أهل الحديث، فإنه رأي شخصية المحدث جامعة لرواية الحديث المسند والفقه في متونه، والزهد ومكارم الأخلاق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، فقصر الوصف عليهم وأصاب، ثم خلفه على توالي القرون خلف أخذوا من تفسيره حروفه، ولم يلتفتوا إلى الواقع الموصوف وكمال صياغات الدعاة نم المحدثين الذين عضدوه في جولته مع الجهمية والمعتزلة، فعكفوا منفردين على ألفاظ من الحديث مجردة، وتركوا المجتمع يربيه من لا دين له، والسياسة يمارسها كل عميل وفاسق، يظنون أنهم الأمة القائمة على أمر الله.
(1) فتح الباري بشرح البخاري 1/174 طبعة الحلبي.