وربما يملك القلب الاستعداد للفتنة، لكن وقت الرخاء والعافية لا يفضحه ويتستر عليه، فإذا اكتنفته الشبهات، وهيجته المهيجات، انفضح وانكشف.
وشبهوه في ذلك بصاحب الصدر المريض، ما أحسن تنفسه أيام الصفاء، فإذا أثارت الريح الغبار: لهث، وضاف نفسه، واختنق.
أو كحوض ماء راكد، ترسب الطين في قعره، تلقي فيه حجرًا صغيرًا فيختلط كله وقد كنت تظنه زلزلا، أما الحوض النظيف، فإن إلقاء الحجر فيه يزيده جمالا، بما أحدث من دوائر الأمواج التي تعكس ظلال الأغصان الخضراء.
انظر آثار حجر الفتنة في القلوب تحكم عليها، ولا تغترن بظاهر من الركود موهم، ولا تستكبرون وصفنا للمفتتن أنه كالكوز المنكوس، فكم رأينا من انتهت به أيامه إلى ترك الصلاة.
الدعوة محفوظة
واعلم أن من أبي: لن يضر الدعوة شيئا، فإنها محفوظة، وليس لما تبني يد الله هادم، وأن قول المخلص يخلص صدقه، وتأبي فما تزكو لباغ بواطله.
وكما قال عبد القادر عودة رحمه الله:
(إنها دعوة الله وليست دعوة أشخاص، وإن الله علم المسلمين أن الدعوة ترتبط به ولا ترتبط بالدعاة إليها، وأن حظ الأشخاص منها أن من عمل لها أكرمه الله بعمله، ومن ترك العمل لها فقد أبعد الخير عن نفسه، وما يضر الدعوة شيئا) (1) .
بل لاحظ الإمام البنا رحمه الله حدوث النفع للدعوة، فروى أنه لما أصدر أحد المخالفين كراسا يهاجم فيه القائمين بأمر الدعوة، ورد عليه القائمون، (ما كاد هذا الرد ينشر حتى تلقفه الناس، ولفتت هذه الحركة أنظارهم إلى الدعوة، وأخذوا يهتمون بكل ما يتصل بالجماعة، فكانت تلك الحركة من أكبر العوامل على انتشار وانضمام عناصر كثيرة من الناس(2) .
النسافات
ولهذا أشفق الأولون على أهل الفتن، وحذروهم سوء العاقبة فكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول:
(إياكم والفتن، لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص إليها أحد إلا نسفته، كما ينسف السيل الدمن) .
(1) مجلة (الدعوة) العدد 52.
(2) مذكرات الدعوة والداعية /117.