كركع وراكع فأفهمت انه بحيث لا يحصى" [1] . وقال الليث: {مَالًا لُبَدًا} لا يخاف فناؤه من كثرته [2] . وقال الكلبي ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا [3] ."
يتضح مفهوم المبالغة عند البقاعي من خلال عرض المواضع الآتية التي تحدث فيها عن المبالغة: ومنها بلوغ الغاية في المعنى واستقصائه والتناهي فيه ومنه قوله تعالى: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} {التوبة: 92} . قال فيها: ..." {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} تمتلئ فتسيل، وإسناد الفيض إليها ابلغ من حيث انّها جعلت كلها دمعًا: ثم بين الفائض بقوله: {مِنَ الدَّمْعِ} أي دمعًا، والأصل: يفيض دمعها" [4] .
وقد تأتي المبالغة في مواضع، وتدل على الزيادة النسبية في المعنى وتحقق عن طريق صيغة جاء عليها الكلام لا تتحقق في صيغة أقل منها. وقد لا تعني بلوغ الغاية في المعنى والتناهي فيه من ذلك تفسيره لقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} {المائدة: 37} . قال:"وهو ابلغ من قولك يخرجون منها ... أي ما يثبت لهم خروج أصلًا، ولعله عبَّر في النفي بالاسمية إشارة إلى انه يتجدد لهم الخروج من الحرور إلى الزمهرير، فان سمي أحد ذلك خروجًا فهو غير مرادهم" [5] .
ومنه قوله تعالى: {لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} {النمل: 18} قال البقاعي:"أي يكسرنكم ويهشمنكم ... ، فهو نهي لهم عن البروز في صورة نهيه وهو ابلغ من التصريح بنهيهم" [6] .
(1) نظم الدرر: 22/ 54. وقراءة التشديد تفرد بها أبي جعفر، وقرأة لُبدا بضم اللام وكسرها بمعنى الكثرة: ينظر المحتسب: 2/ 120 والحجة: 418.
(2) ينظر جامع البيان: 30/ 116 ومعالم التنزيل: 4/ 389 وتفسير القرآن العظيم: 4/ 512.
(3) جامع البيان: 30/ 116 وتفسير عبد الرزاق: 3/ 1228 وفتح القدير: 5/ 443. والتسهيل: 4/ 201 وانوار التنزيل: 2/ 597.
(4) نظم الدرر: 8/ 574. ينظر الكشاف: 2/ 208 وانوار التنزيل: 1/ 417. وهؤلاء نفر من قبائل شتى سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ان يحملهم على الخفاف والنعال والدواب ليغزوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا اجد ما احملكم عليه) لان الشقة بعيدة والرجل يحتاج الى بعيرين بعير يركبه والاخر يحمل ماؤه وزاده فانصرفوا وهم يبكون.
اخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 420 وهو عند البخاري في الجهاد باب تمني لشهادة برقم 1707 ومعالم التنزيل: 2/ 319 والجامع لاحكام القرآن: 8/ 145 وتفسير القرآن العظيم: 4/ 138.
(5) المصدر نفسه: 6/ 134.
(6) نظم الدرر: 14/ 143.