المبحث الثالث عشر
13.تأكيد المدح بما شبه الذم:
هذا النوع، اعني المدح في معرض الذم من انواع ابن المعتز (ت 496هـ) [1] . وهذا ان ينفي صفة ذم ثم يستثني صفة مدح، كقولك: لا عيب في زيدٍ سوى أنه يكرم الضيف، وهو في غاية العِزّة في القرآن الكريم كما نص ابن أبي الاصبع المصري (ت654هـ) ، إذ قال:"ولم أجد منهُ الا آية واحدة، وهي قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ ... } {المائدة: 59} [2] ، فإن الاستثناء بعد الاستفهام الخارج مخرج التوبيخ على ما عابوا به المؤمنين من الايمان - يوهم أن ما يأتي بعده مما يوجب أن ينقم على فاعله مما يُذم بهِ - فلما أتى بعد الاستثناء ما يوجب مَدْحَ فاعله كان الكلام متضمنًا تأكيد المدح بما يشبه الذم [3] ."
ويعد تأكيد المدح بما يشبه الذم من البديع المعنوي لأنه يزيد المعنى وضوحًا بعد شك، وجلاء بعد ظن، ففي قوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا} {الواقعة: 26} . قال البقاعي:"ولما اثبت لهم الكمال وجعله لهم، نفى عنهم النقص فقال: {لا يَسْمَعُونَ} أي على حالٍ من الاحوال {لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا} أي شيئًا مما لا ينفع فانه انكأ بالسمع الحكيم ذلك بطريقة تأكيد الشيء بما يشبه ضده. وساقه مساق الاستثناء المتصل ..." [4] . فالآية تؤكد قول كلامنا ان تأكيد المدح بما يشبه الذم يزيد المعنى وضوحًا، إذ الآية تؤكد سماع السلام في الجنة من خلال اسلوب يوهم أن ما بعد (إلا) سيأتي صفة ذم لكنك تفاجأ بأن ما جاء بعد أداة الاستثناء صفة مدح.
(1) البديع: 33.
(2) بديع القرآن: 187. ينظر: نظم الدرر: 6/ 198.
(3) ينظر: نظم الدرر: 19/ 205، والاقصى القريب: 198، والاتقان: 2/ 265، ومعترك الاقران 1/ 298
(4) المصدر نفسه: 8/ 549 - 550.