الصفحة 21 من 302

إعجاز القران في تفسيره:

ارتبطت البلاغة بفكرة الاعجاز ولعل اكبر دليل على العلاقة بين فكرة اعجاز القران ووضع علم البلاغة العربية هو ان الاعجاز اذا اطلق يراد به البلاغة نفسها [1] ولعل الغرض الديني كان اكثر الاسباب مدعاة لظهور البحث البلاغي وله الاثر الكبير في تطور البلاغة العربية [2] ."اذ تعد البلاغة والاعجاز توأمين يصعب التمييز بينهما" [3] .

فقد ولد التأليف في البيان في جو القران لأنَّ البيان من اهم ما أُعتمِدَ عليه في خدمة العقيدة الاسلامية، لأنَّه يعمل على ابراز معاني القران في وجوه الجمال التي يمتاز بها. ويبين سر الاعجار من نواحي عدة من حيث المعنى والاسلوب [4] كما صرح بذلك ابو هلال العسكري (ت395هـ) اذ قال:"اعلم علمك الله الخير وقيضه لك وجعلك من اهله ان احق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ بعد معرفة الله جل ثناؤه، علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة التي يعرف بها اعجار كتاب الله" [5] . وعلى هذا وقف العلماء طويلا ببحوث في معاني القرآن وإعجازه فنشأت الدراسات القرآنية التي كان لها اتصال وثيق يبحثون البلاغة والنقد؛ اذ أكد العلماء ما للأساليب البلاغية من اثر في توجيه النص القرآني وتأويله وفي نفسية المتلقي من شعور واحساس في قوة اللغة وأسلوبها.

والعلماء متفقون على أنَّ القران اتى بافصح الالفاظ وفي احسن التاليف والبقاعي يؤكد هذا الرأي، ويزيد أنه معجز في ترتيبه ونظمه كما هو معجز في اسلوبه ولفظه، فما من سورة أو آية بل ما من كلمة أو حرف، إلا وضع في موضعه اللائق به لحكمة يعلمها منزّله سبحانه وتعالى ولو نزعت منه كلمة ثم ادير لسان العرب على احسن منها لن يوجد ذلك ولن تتسع له اللغة بكلمة واحدة [6] .

فالرماني (ت384هـ) قال بتلاؤم الحروف وتعديلها في التأليف، والمتلائم في الطبقة العليا والقرآن كله متلآئم بيّن لمن تامله [7] . وذهب الخطابي (ت388هـ) الى فصاحة الفاظه وفي احسن نظوم التاليف مضمنا اصح المعاني [8] ويذهب الباقلاني (ت403 هـ) الى الاعجاز في عجيب نظمه وبديع تاليفه ورصفه [9] ويذهب الجرجاني (ت471هـ) الى سر الاعجاز في الترتيب والنسق الذي تراه في الفاظ القرآن والغرض الذي سبقت فيه [10] .

اما الرازي فيذهب الى ان اعجاز القرآن كما هو معجز في لطائف نظمه وبدائع ترتيبه وفصاحة الفاظه وشرف معانيه، فهو ايضا معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته واسلوبه [11] .

وتكلم البقاعي على وجه الاعجاز في القرآن الكريم مؤيدًا في ذلك قول الزركشي (ت794هـ) في البرهان عن ابي سليمان الخطابي، اذ قال:"اول كلامه يميل الى ان الاعجاز بمجرد النظم من غير نظر الى المعنى، وآخر يميل الى انه بالنظر الى النظم والمعنى معا من الحيثية التي ذكرها، وهو الذي ينبغي ان يعتقد. لكن في التحدي بسورة واحدة واما بالعشر فبالنظر الى البلاغة في النظم فقط" [12] .

ثم يوضح رأيه صريحا في ان اعجاز القرآن يقع في النظم والترتيب، اذ يقول:"فان القران معجز، والركن الأبين في الاعجاز يتعلق بالنظم والترتيب" [13] ويؤكد هذا الرأي في تفسيره حينما تعرض لآيات عيسى - عليه السلام - في سورة آل عمران، اذ قال:"وكان هذا القرآن العظيم قد حاز من حسن الترتيب، ورصانة النظم بوضع كل شيء منه لفظا ومعنى في محله الأليق به المحل الاعلى، ولا سيما هذه الايات التي اتت بالتفصيل في امر عيسى - عليه السلام -، فلم تدع فيه شكا ولا ابقت شبهة ولا لبسا ... . بأوضح الصدق باعجازها في نظمها وفي العلم بمضامينها من غير معلم من البشر" [14] .

من هذا النص يتبين ان القرآن عند البقاعي معجز من حيث البلاغة والنظم والفصاحة وهو يرد على من قال ان القرآن معجز بالصرفة كما ذهب اليه النظام (ت231هـ)

(1) ينظر: تاريخ فكرة اعجاز القران: 44.

(2) ينظر: البلاغة عند السكاكي: 269.

(3) نظرية: اعجاز القران عند عبد القاهر الجرجاني: 126.

(4) ينظر: البيان العربي: 16 - 17.

(5) كتاب الصناعتين: 9.

(6) ينظر: نظم الدرر: 1/ 10 - 11، والاعجاز البياني في ترتيب القران الكريم: 238.

(7) ينظر: النكت في اعجاز القران: 88، واعجاز القران الكريم: 42.

(8) ينظر: بيان اعجاز القران: 23.

(9) ينظر: اعجاز القران: 35 - 36، والمعجزة الكبرى للقران: 301.

(10) ينظر: دلائل الاعجاز: 241.

(11) ينظر: التفسير الكبير: 1/ 394.

(12) نظم الدرر: 1/ 177 - 181، و 14/ 458 - 459 - 460.

(13) المصدر نفسه: 1/ 43.

(14) المصدر نفسه: 4/ 424.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت