صبحي الصالح:"والحق ان الذي ينبغي التنقيب عنه والاستيثاق من نتائجه هو بالمقام الاول وجه المناسبة بين الايات، اما التماس الترابط بين السور على مافيه من تعسف وتكلف فهو مبني على ان ترتيب السور توقيفي ولهذا انتصرنا وعليه عولنا" [1] .
ثم نجده يناقض رأيه، اذ يقول في موضوع آخر:"وما نظن احتفال المفسرين قليلا بهذا النوع لدقته وحسب بل لقلة جدواه وكثرة التكلف فيه" [2] .
وكيفما تكن مواقف العلماء من المناسبة بين الآتي والسور، ومهما يتسم به توجيههم للمناسبة من طبع او تكلف، فان ما قاموا به قد اثمر فوائد جمّة، وقد ساعد على إبراز ما بين اجزاء القرآن من التلاؤم والتلاحم من حيث البناء المتين فهو كالكلمة الواحدة متسق المعاني منتظم المباني.
وكما كان للمناسبة عن كشف جانب من جوانب الاعجاز القرآني. فالمتأمل في لطائف نظمه وترتيبه على الرغم من تنجيمه على نيف وعشرين سنة يتبين اعجازه من ناحية فصاحة الفاظه وشرف معانيه ومن جهة ترتيبه ونظم آياته وسوره واسلوبه [3] .
ولنا في تفسير نظم الدرر اقوى دليل على ما قلناه فقد أبان اعجاز القرآن من جهة لطائف واسرار القرآن المودعة في الترتيبات والروابط فاثبت ان هذا الكتاب لاتنتهي عجائبه، فيأتي سبيكة واحدة متناسج الآيات متناسب السور {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} {هود: 1} هذه بعض الملامح عن المناسبة مهدت بها علها تعطي فكرة عن هذا العلم الجليل الذي قل فيه التصنيف عامة، وتفسيرنا هذا قائم على المناسبة والوحدة الموضوعية وسندرس في ثنايا فصول البحث عن الاوجه البلاغية ودلالاتها في التفسير ان شاء الله تعالى.
لم يختلف البقاعي عن غيره من المفسرين في منهجه البلاغي، والمتتبع لتفسيره يلمس انه رسم لنفسه منهجا، وبين خطاه في المقدمة التي وضعها في بداية تفسيره والذي يحتوي على اجزاء متعددة، منها الحديث عن مفردات الآية ومن ثم ذكر معانيها التي تدل
(1) مباحث في علوم القران: 151 - 152.
(2) المصدر نفسه: 156.
(3) ينظر: القرآن القول الفصل في كلام الله وكلام البشر: 42.