الأوَّل: أنَّ التَّرك لا يلزم منه التحريم، فقد يكون مجانبةً لما يشنّع عليه العرب به، كما ترك قتل بعض المنافقين الّذين لم تقم عليهم بيّنة بكفر صريح، لئلاّ يُقال إنَّ محمّدًا يقتل أصحابه.
الثاني: أنَّ كلام جابرٍ يحتمل أنه حكايةٌ منه لحال النّبيِّ صلى الله عليه وسلم قبل النَّسخ، والنزاع ليس في تحريم الأشهر الحرم أوَّل الأمر، وإنَّما النزاع في صحَّة النسخ.
واستدلُّوا بعمومات النّصوص المحرّمة للأشهر الحرم، وأجاب شيخ الإسلام ثمّ من تبعه عن غزو النّبيِّ صلى الله عليه وسلَّم للطائف بأنَّه تبعًا لقتالٍ هم بدؤوه فيه، فهو تبعٌ لقتال هوازن، لمّا انهزم ملكهم إلى الطائف فاحتمى بحصن ثقيف فيها، وعن سريّة أوطاس بأنَّها من تمام الغزوة التي بدأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكفَّارَ فيها بالقتال.
والظَّاهر والله أعلم، أنَّ الصَّواب ما رجّحه أبو العباس ابن تيمية، لعموم النصوص المحرّمة للأشهر الحرم وتوكيدها، فهي محرّمة (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ) ، ووصف الله القتال في الشهر الحرام بأنَّه كبير كما في قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) فيبعُدُ أن يكون حلالًا بعد تغليظ تحريمه.
ونهى الله عن تحليل الشهر الحرام كما في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ) ، وذلك في سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولًا، وأظهرُ ما يتنزَّل عليه التحليل المنهي عنه هو القتالُ.