وجميع آيات السيف والقتال، يُحتمل أن تكون ناسخةً لتحريم الأشهر الحرم، ولكنها مجملة في النسخ غير مبيَّنة، فلا يُكتفى بها في ذلك بل لا بدَّ من دليل مبيِّنٍ للنسخ، لما تقرَّر من أنَّ العام لا ينسخ الخاصَّ، إلاَّ أنَّ السُّنَّة جاءت مُبيِّنةً لها، فقاتل النبي صلى الله عليه وسلَّم بعد آيات براءة أهلَ الطائف، وأرسل سريَّةً إلى أوطاسٍ، في الأشهر الحرم.
وأمثل ما ذكروا أنَّه الناسخ، قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) ، وهو قول الزهري وغيره.
وجهه أن الآية جمعت بين تحريم الأشهر الحرم وقتال المشركين، وقوله قاتلوا المشركين، متعلّقٌ به محذوفٌ تقديره "فيهنَّ"، كما تقول: فلا تأكل منه ولا تشرب، تعني: ولا تشرب منه، وعلى هذا التَّوجيهِ يكون نصًّا خاصًّّا في القتال في الأشهر الحرم.
وإن نُوزع في التقدير الذي يقتضي أنَّ الآية نصٌّ في إباحة الأشهر الحرم، فقد يُقال إنَّ الآية عامةٌ في القتال، ووردت في سياق الأشهر الحرم فهي داخلةٌ فيها بدلالة السياق.
فتكون الآيةُ قرَّرت أحد حكمي الأشهر الحرم، وهو تغليظ المعاصي عمومًا، ونسخت الآخر، وهو تحريم القتال فيهنَّ.
وذهبَ عطاء، ونصره شيخ الإسلام ابنُ تيميةَ وابنُ القيِّم: إلى بقاء حكم الأشهر الحرم، واستدلُّوا بحديث جابرٍ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم: "كان لا يغزو في الشهر الحرام إلاَّ أن يُغزى، فإذا حضره أقام حتّى ينسلخَ"، ولا يخفى أنَّ دلالته ضعيفةٌ، لأمرين: