تحريم الأشهر الحرم في أول الأمر محلّ اتّفاق، وقد دلَّت عليه النصوص والآيات، فمنها قوله تعالى: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ) الآية، والنهي عن تحليلها حكمٌ صريحٌ بحرمتها، وقوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ) فأخبر الله أنّه حرّم الأشهر، وذكر أنّ الكفّار استحلّوها على جهة الإنكار عليهم، وجعل ذلك كفرًا منهم.
كما دلّت عليه الأحاديث، ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم: "ألا إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمةِ يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"، وذهب أحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة، وجماهير السلف والخلف إلى أنَّ تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخٌ، واختلفُوا في النَّاسخ:
فمنهم من قال: إنَّ النَّاسخَ قولُهُ تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) ، وهو قول الشافعيِّ، وجهه أنَّ الله عمَّ الأزمان فقال: (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) ، فدلَّ على أنَّ ما قبل هذه الغاية مأمورٌ فيه بالقتال.
ومنهم من قال: إنَّ النَّاسخَ قولُهُ تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) ، ووجهه أنَّه عموم مؤكّد بقوله تعالى: (حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) ، والأوَّل أقوى دلالةً على النسخ لأنَّ الثاني نصَّ على الأمكنة، والأوَّل نصَّ على الأزمنة، والأشهر الحرم من الأزمنة.