الصفحة 101 من 133

وفي الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم النحر عام حجّة الوداع، فذكر في خطبته أنَّه قال: "أي شهر هذا؟ "، فسكت الصحابة حتَّى ظنُّوا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: "أليس بذي الحجة؟ "، ثم قال في آخر الحديث: "فإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".

وهذا الحديث متأخِّر منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، بعد سرية أوطاس، وبعد حصار الطائف، فلا يُمكن أن تكون تلك الغزوات دليلًا على النسخ مع ثبوت الحكم بعدها، وهذا من أقوى الوجوه.

وفيه أيضًا: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل الشهر الحرام دليلًا على ثبوت الحرمة وتغليظها، ولا يُمكن أن تؤكَّد حرمة الشهر الحرام بما هو أضعف منها، بل بما صار بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حلالًا مباحًا لا شيء فيه، وأقل ما في تشبيه حرمة الدماء والأموال والأعراض بحرمة الشهر الحرام، استواء الحرمتين في الثبوت والديمومة، وفي التغليظ والقوَّة، وظاهر الحديث أنَّ حرمة الشهر الحرام إذا اجتمعت مع حرمة البلد الحرام، وحرمة يوم النحر، أغلظ من حرمة الدم والمال، والظاهر أنَّ هذا الظاهر غير مراد، وإنَّما أكَّد الحكم المجهول لدى أكثرهم بالحكم الذي يعرفونه ويقرُّون به، مع العلم بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ليؤكِّد الحكم الغليظ ويبيّن استمراره، بحكم مؤقَّتٍ يعلمون نسخة بعد هذا الكلام بمدة يسيرةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت