وقال جل وعلا: (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِد) فبيّن أنَّه جعلها قيامًا للناس يقوم بها أمرهم ويأمنون ويسعون في معايشهم، ومثل هذا لا غنىً عنه للناس في أي زمان، وقد قرن الله سبحانه بين الكعبة والشهر الحرام في هذا المقصد وهذا الأمر، والكعبة حرام لا تحل إلى يوم الدين، فدلالة الاقتران تقتضي أنَّ الشهر الحرام كذلك.
ودعوى النسخ لا تستقيم في شيء من النصوص التي استدلُّوا بها:
فأمَّا العمومات؛ فلأنَّ نصوص التحريم خاصَّة، فما جاء عامًّا بعدها حمل على ما عدا الأشهر الحرم، والعامّ لا ينسخ الخاصّ، وما ذكروا من السُّنَّة لا ينتهض على الدلالة على النسخ، لما ذكر أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، من أنَّها كانت تبعًا لا ابتداءً، ولما ذكره ابن العربي من أنَّها نصوص ضعيفةٌ، وهذا يحتاج إلى تحرير، والله أعلم.
وأمَّا قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) ؛ فهو وإن كان أظهر من غيره في النّسخ إلاَّ أنَّه لا ينتهض به، فقوله (كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) يُحمل على قتالهم معاملةً بالمثل لا ابتداءً، فيكون موافقًا لقوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) ، وتكون الكاف فيه للتعليل.