الصفحة 116 من 133

وذهب الشافعيَّة وابن حزم إلى إباحة دماء الشيوخ لظاهر حديث الحسن عن سمرة بن جندب: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم"، والحديث ضعيفٌ، ولقتل سريَّة أوطاسٍ دُريد بن الصمة وكان شيخًا كبيرًا، وهذا لا يقوم الاستدلال به لأنَّ دريد بن الصمة خرج مع الجيش المُقاتل وأعان برأيه فمثله لا يُختلف في قتله كالمرأة إن قاتلت.

وهذا هو الراجح والله أعلم؛ فإنَّ كلَّ قومٍ قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعده كان فيهم شيوخ ولم يثبت في النهي عن قتلهم شيء، وأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف على من جرت عليه الموسى من بني قريظة ولم ينجُ من السيف إلاَّ من أسلم أو كان دون البلوغ، فلو استثنى الشيوخ مع من استثنى لنُقل ذلك بل جاء عند الشيخين من حديث ابن عمر في خبرهم: "فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأموالهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلاَّ بعضهم لحقوا بالنبي فآمنهم صلى الله عليه وسلم وأسلموا"، فلم يذكر فيمن أُبقي إلاَّ النساء والأموال والأولاد، ولا استثنى ممن قُتل إلاَّ من أسلم ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ويدلُّ على ذلك أنَّ الذرية من النساء والأطفال منهيٌّ عن قتلهم لأنَّهم أموالٌ للمسلمين مع رجاء إسلامهم، أمَّا الشيوخ فهم باقون على الأصل من إباحة الدم كما دلَّت على ذلك العمومات الآمرة بقتل المشركين، والمتقرر من الأحاديث والآيات في أنَّ عصمة الدم إنَّما تكون بالإسلام وحده، أو بالعهد والأمان والذمة، فما عدا ذلك لم يثبت فيه إلاَّ استثناء الأموال ومنها النساء والأطفال، أمَّا أثر ابن عباس فلو جاء مرفوعًا لم يُحتمل هذا الحكم بهذا الإسناد فكيف وهو موقوفٌ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت