فهرس الكتاب
أمَّا إن فرَّت أو جُرحت في القتال أو أُسرت وقُدر عليها، فالأظهر عدم جواز قتلها لعموم أحاديث النهي عن قتل النساء ولا مخصِّص لها، ولو صحَّ حديث النسائي وأبي داود لكان ظاهرًا في قتل كل من قاتلت ويحتمل قتلها حال القتال كما يحتمل أن يكون قتلها مطلقًا، وقد قال جمعٌ من أهل العلم بقتل المرأة التي تُقاتل حال القتال أو خارجه وصرَّح به ابن الهُمام الحنفي، لكنَّ الحديث لا يصحّ ثمَّ هو مجملٌ ليس بيّنًا في قتلها إذا ظُفر بها في غير حال مُقاتلتها، ولا يظهر من إباحة قتل النساء إلاَّ ما يُباح من دفع الصائل لأنَّ الصائل لو كان امرأةً مسلمة ساغ دفعه فالمشركة أولى، وحكم المنفردة حكم الصائل المنفرد من دفعه حتى يندفع، وحكم الجماعة الصائلين كالبغاة من قتالهم وقتال من كان ممتنعًا بمنعتهم أو مُعينًا لهم حتى يفيء ويترك صياله وبغيه، وهذان الأمران ثابتان فيها بدلالة الأولى فلا يثبت ما زاد على ذلك، ولا يُقال إنَّها خرجت عن صفة النساء ولحقت بالرجال لمَّا قاتلت؛ إذ ليس معنى مقاتلتها التي تُبيح الدم أن تحمل السلاح، بل قد تكون بتمريض الجرحى ونحوه مما لا يُخالف طبيعة النساء ولا يخرجهنَّ إلى أحكام الرجال بدليل فعل الصحابيات ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان خلاف طبيعة النساء لمنع منه النبي صلى الله عليه وسلم إلاَّ للضرورة، وقد كان المسلمون يأسرون النساء اللاتي يخرجن مع الجيش ولم يشتهر عنهم قتلهنَّ، وإن امتنعت المرأة عن الاستئسار للمسلمين ولم يمكن أسرها إلاَّ بقتلها جاز لأنَّها ممتنعةٌ عن النزول على الحكم الشرعيِّ فلا تنتقل عن حكم قتالها حين كانت في الجيش، وإنَّما تحرم الدماء النساء بأن يُؤسرن ويستسلمن للمسلمين، والله أعلم.