وقال سبحانه وتعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) والاسم الموصول في قوله: الذين لا يؤمنون من صيغ العموم، وذكره لأهل الكتاب يدخل فيه من باب الأولى كل كافر، وجعل الغاية في هذه الآية إعطاء الجزيةِ وفي السابقة الانتهاء، فصحَّ رفع القتال عنهم بأيٍّ من الغايتين لأن الغاية مطلقة لا تعمُّ، وهذا هو الحكم في كل حكمٍ يُغيَّى بغايتين كعدة الحامل ونحو ذلك، على أنَّ الغاية في الآيتين السابقتين لهذه الآية داخلةٌ في هذه الآية لأنَّ انتهاءهم عن كفرهم يُوجب رفع حكم القتال بارتفاع الوصف الذي علِّق به القتال هنا فهو كما لو غُيَّي الحكم بذلك.
وقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) ، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) فعمَّ بالأمر كل من يلينا من الكفَّار، وعلّق الحكم بكفرهم فيُقاتَلون ما دام الوصف قائمًا، ولا يفرغ المسلمون من قومٍ يلونهم من الكفَّار إلاَّ كان يليهم قومٌ آخرون من الكفَّار فيُقاتَلون.
وقال: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) فلم يجعل بدلًا لقتال هؤلاء القوم أولي البأس الشديد إلاَّ أن يُسلموا، بخلاف المعتدي فبدلُ قتاله أن يكفَّ الله بأسه ويأمن المسلمون شرَّه.