الأصل الثاني: أنَّ نصوص القتال على مراحل ثلاثٍ: مرحلةٍ أُمر فيها بالكفِّ عن قتال الكفَّار مطلقًا، ومرحلةٍ أُمر فيها بقتال من قاتلنا من الكفَّار، والمرحلة الثالثة أُمر فيها بقتال الكفَّار كافَّة حتى يُسلموا، ونسخت آية السيف وما في معناها من النصوص كل آيةٍ تأمر بالكفِّ قبلها، وهذا مجمعٌ عليه كما حكى ابن جريرٍ رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) والمرحليَّة في نصوص الجهاد ثابتةٌ بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ) فكل آيةٍ أو نصٍّ فيه أمر صريح بالكفِّ عن الكفَّار كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) منسوخٌ بآية السيف وهي قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وما في معناها من النصوص الآمرة بقتال الكفَّار حتَّى يُسلموا.
والنسخ ثابتٌ بالإجماع كما حكاه ابن جريرٍ رحمه الله تعالى، وبالإجماع العملي المتواتر المعلوم من حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم بالضرورة لمن اطَّلع على السنة وسيَرِهم، وهو دلالة النصوص متى جُمعت ونظر في جملتها لا يشكُّ في ذلك النَّاظر، ولا تجتمع النصوص إلا عليه.