الأصل الثالث: أنَّ مشرّع الشريعة هو مقدِّر القَدَر سبحانه وتعالى، فلا يُحتجُّ بالقدر على الشرعِ، والرحمةُ التي بعث الله بها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم تشمل القتال وقتل الكافرين، كما تشمل الدعوة إلى الإسلام والتلطُّف فيه، وليس هذا بمعارضٍ لهذا، والله عزَّ وجلَّ قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، ونبيُّه صلى الله عليه وسلم قال لأمَّته: "بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتَّى يُعبد الله وحده لا شريك له"، والرحمةُ حقٌّ والسيف حقٌّ، فلا يصحُّ الاعتراض على هذا الحكم الشرعيِّ بما يعترض به بعض من يتسمّون بالدعاة اليوم على القتال لإدخال الناس في الإسلام، بحجّة أنَّ من المشركين من يُقتل على الكفر فيكون القتل تعجيلًا به إلى نار جهنَّم.
فيُقال أولًا: إنَّ الذي أمر بقتلهم هو الذي خلقهم وعلم مآلهم وحالهم، وهو الَّذي شرع الدين وأمر بالدعوة إليه، وما يُقتل من يُقتل منهم إلاَّ بعلمه وإذنه، فيتعيّن التسليم له سبحانه، وقد خلق النار وخلق لها أهلًا، وخلق الجنَّة وخلق لها أهلًا.
ويُقال ثانيًا: إنَّ قتل هؤلاء من أعظم رحمة الله بخلقه، فقتلهم يعجّل بإسلام نفوسٍ كثيرةٍ إذا فُتحت البلاد، ويعجّل بإنقاذ تلك النفوس من النارِ، كما أنَّ قتلهم رحمةٌ لهم لئلاَّ يزدادوا إثمًا فهو رحمةٌ لهم من الله عزَّ وجلَّ الذي خلقهم وهو أعلم بهم، بله الحكم العظيمة التي قدَّرها الله عزَّ وجلَّ فيما شرعه من قتل الكفَّار ما علمنا منها وما لم نعلم.
الأصل الرابع: أنَّ العدوان هو الخروج عن شرع الله عزَّ وجلَّ والقتلُ بغير إذنه، فعدُّ موسى عليه السلام قتله النفس القبطية إثمًا حقٌّ لأنَّه لم يكن مأذونًا له أن يقتلها، وكذا الحكم في صدر الإسلام حين نهى الله عز وجل عباده المؤمنين عن قتال الكفَّار، فكل خروجٍ عن أمر الله وحكمه عدوانٌ.