الصفحة 65 من 133

فهو يُقاتل في سبيل الله، ويُريد بذلك وجه الله، ويطلب ما أباحه له الله، كسفرِ من يُريد الحجَّ وينوي به وجه الله، مع طلبه فضلًا من ربِّه بالتجارة ونحوها، وقال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ) ؛ فمن يُصلِّي إذا حزبه أمرٌ لتحصيل العون الَّذي أرشده الله إليه ليس منتقصًا من الإخلاص شيئًا، ومن يدعو ويطلب شيئًا من أمر الدنيا مطيعٌ عابدٌ لله غير داخلٍ عليه في نيته شيءٌ، وليس هذا من الرِّياء في شيءٍ، بل المُرائي يقصد غير وجه الله، أو ينقص من قصده لوجه الله قصدٌ مزاحمٌ لهذا القصدِ، لا قصدٌ مستقلٌّ عنه غير معارضٍ له.

وفوق هذا مرتبةٌ أعلى، وهي أن يُعرض عن هذا القصد وشهوده وإن كان حاصلًا بالتبع ضمن ما يحصل من الجهاد، وهذه المرتبة هي مرتبة جهاد النبي صلى الله عليه وسلم، قال الزين ابن رجبٍ في كتابه (الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: بُعثت بالسيف بين يدي الساعة) : "أنه كان صلى الله عليه وسلم إنما كان يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر، لا لأجل الغنيمة، فيحصل له الرزق تبعًا لعبادته وجهاده في الله، فلا يكون فرغ وقتًا من أوقاته لطلب الرزق محضًا، وإنما عبد الله في جميع أوقاته وحده فيها وأخلص له، فجعل الله له رزقه ميسرًا في ضمن ذلك من غير أن يقصده ولا يسعى إليه".

والفرق بين هذه المرتبة والمرتبة السابقة كالفرق بين من يسير في الأرض يطلب الرزق المباح، ومن لا يشهد في طلبه الرزق إلا التقرب إلى الله وحده والسعي في مراضيه، وكالفرق بين دعوة من يسأل الله أمور دنياه، ومن يسأل الله القُربة إليه والزُّلفى لديه.

والقسم الثاني: القتال لاستعادة المال الذي استولى عليه الكافرون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت