وفي الصحيحين أنَّ أم حرام ابنة ملحان قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ادعُ الله أن يجعلني منهم، في حديث القوم الذين يركبون البحر في سبيل الله، فدعا لها بذلك، وكان جماعةٌ من النساء يخرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته يسقين ويداوين الجرحى، منهنَّ عائشة الصديقة بنتُ الصديق، وأم سُليطٍ الأنصارية، وأمُّ سليم الأنصاريَّة، والرُّبيّع بنتُ معوَّذ، وأمُّ عطيَّة الأنصاريَّة.
وهذا كله فيه خروجهنَّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خدمة المجاهدين وإعانتهم، وليس فيه دخولهنَّ القتالَ ولا نهيٌ لهنَّ عن ذلك، وسقوطه القتال عنهنَّ رخصةٌ لضعفهنَّ، وهذا لا يحرِّمه عليهنَّ؛ فيُقاتلن مع الضعف كالأعمى والأعرج والمريض، والله أعلم.
استئذان السيد:
جعل الله للسيد ولايةً على المملوكِ، وهي أعلى من كثيرٍ من الولاياتِ حتَّى تُبيح للسيد إقامة الحدّ وتُقدِّم أمره على صلاة الجماعة، وهو مملوكٌ له كسائر ما يملك، ولا فرق في كثيرٍ من الأحكام بينه وبين سائر الأموال.
وعُومل العبد في الشريعة بما يُناسبُ عجزه الحكميَّ، فلم تجب عليه الجمعة ولا الجماعةُ ولا الجهاد في سبيل الله، على خلافٍ في بعض ذلك، وحقيقةُ الرِّقِّ أنَّه ملك السيّد لجميع منافعِ عبدِه، والرقيق من كانت منافعُه مملوكةً لغيرِه، وهو من هذا الوجه من جملةِ المال، ومن جهةِ عدم ملك أصلِه هو من جملة الناس، وأحكامُ العبدِ متفرّقةٌ بين هذا وهذا بحسبِ تعلُّقها بمنافعه أو بأصله.
وإذا خرج العبدُ إلى الجهادِ بغير إذن سيِّده كان تفويتًا لمنافعه على السيِّد، والمنافع ملكٌ للسيِّد فلم يجُز استيفاؤها من غيره بغير إذنه، ولا يلزمُ السيّدَ بذلُ عبدِهِ في الجهادِ ولو تعيَّن، بل له الإبقاء عليه واستعمالُه في مصالحه، كما لا يجبُ عليه التبرُّع من سائر مالِهِ بما زادَ عن الزكاةِ.