داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نزلت(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ثم إنه جاء تخفيف، فقال (الئن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) قرأ أبو توبة إلى قوله (يغلبوا مائتين) قال: فلما خفف الله تعالى عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم).
والصبر والثبات أفضل إذا كان فيه مصلحة، كأن يغلب على الظن الظفر، أو يكون فيه نكاية، وقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابل مائتي ألف.
فإن لم يكن فيه مصلحة ولا نكاية وليس فيه إلا الهلاك المحض، فهل يجوز الفرار؟
قال ابن النحاس في المشارع:"قال أبو القاسم الرافعي:"وإذا جاز الفرار لزيادة الكفار على الضعف، نظر، إن غلب على ظنهم أنهم لو ثبتوا ظفروا، استحب لهم الثبات، وإن غلب على ظنهم الهلاك لو ثبتوا، فهل يلزم الفرار؟
وجهان: أحدهما نعم، لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) والثاني لا، لما روي أن رجلا قال يا رسول الله لو انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال (نعم) فانغمس الرجل في صف المشركين، فقاتل حتى قتل.
وقال الإمام: إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية في الكفار لزم الفرار، وإن كان فيه نكاية فيهم، ففي جواز المصابرة الوجهان، انتهى.
قال أبو زكريا النووي في الروضة: هذا الذي قاله الإمام هو الحق، وأصح الوجهين أنه لا يجب الفرار، لكن يستحب، انتهى.
ومذهب أحمد إذا كان العدو أكثر من الضعف، وغلب على ظن المسلمين الهلاك في الإقامة والنجاة في الانصراف، فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز لهم حرصا في الشهادة، هكذا ذكره صاحب المغني، ولم يحك فيه خلافا عندهم، ولم يشترط النكاية في الثبات.
ولعمري إن الذي يثبت في مكان لا يؤثر أثرا في العدو البتة، وليس فيه إلا محض الهلاك، كالأعمى يثبت في مواجهة العدو بغير سلاح، أو كالواحد أو الاثنين يقفان على الساحل، ليس عليهما ما يرد السلاح، والعدو كثير في مراكبهم، تصل سهامهم إلى الساحل، ولا يصل من الثابت إليهم شيء،