فثبت على ذلك حتى قتلوه أنه آثم بذلك، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وقد تقدم في كلام الغزالي في الباب قبله التصريح بمثل ذلك، وما أظن أحدا يخالف في هذه الصورة، وأما إذا ثبت في هذه الصورة إقداما وشجاعة بنية خالصة في قصد الشهادة، وكان بحيث يمكن أن يصل إليهم أو إلى بعضهم منه شيء من رمي بنبل أو نار أو حجر ونحو ذلك، فيؤثر فيهم ويقتلوه، فهذا الذي ينظر هل الأفضل في حقه الثبات أو الفرار؟
والأدلة المتقدمة في الباب قبله مصرحة باستحباب الثبات والله أعلم.
وقد سئل شيخ الإسلام أبو حفص البلقيني الشافعي - رحمه الله - عن رجلين خرجا على نية الرباط على بعض السواحل، فخرج عليهما عدو من الكفار يزيد على عددهم مرات، فعزم أحدهما على الهرب، وقال: ليس في ثباتنا غير الهلاك المحض من غير نكاية، وقال الآخر: نقاتل وإن غلب على الظن الهلاك، فمن المصيب السالم من الإثم؟
أجاب: المصيب من أشار بالهرب، وكلاهما لا إثم عليه، واللّه أعلم"انتهى كلامه."
وقد روى سعيد بن منصور في سننه عن عبد الرحمن بن شماسة المهري أنهم حاصروا حصنا، فمر عقبة بن عامر برجلين يقاتلان من مكان ينالُهُم العدو ولا ينالونهم، فقال عقبة:"إن هذا ليس لكما بمُقَاتَل"فانصرف أحدهما، ومكث الآخر حتى قتل، فأبى عقبة أن يصلي عليه، وهذا إن صح نص عن صحابي في المسألة.
2.أن يفر متحرفا لقتال، أي ينحرف عن القتال لأجل القتال، كمن يفر بين يدي عدوه مكيدة ليريه أنه قد خاف منه، فيتبعه ثم يكر عليه فيقتله، أو ينصرف ليكمن في موضع ويهجم على الكفار، أو يكون في مضيق فينصرف ليتبعه العدو إلى متسع يسهل القتال فيه، أو يتحول من مقابلة الشمس والريح ونحو هذا، كما قال تعالى: {إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} الأنفال.
3.أن يفر إلى فئة يستنجد بها ويأوي إليها ويعاونهم ويعاونوه، سواء كانت تلك الفئة قليلة أو كثيرة، قريبة أو بعيدة، وحتى ولو كان في سرية، ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة، كما قال تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} الأنفال.