فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
غائرة، وأمعاء تجر، وأجساد ممثلة، وأوصال ملقاة، وآذان مجدعة، وأشلاء ممزقة، والعدو يريد موته، وهو يريد حياة نفسه، وبعضهم جبنه شديد جدا يخاف وهو في بيته ويمنعه من الخروج أصلا، وبعضهم أخف من هذا، فلا يظهر جبنه إلا إذا ذهب إلى الجهاد وعاين الموت ظهر جبنه وولى الدبر وندم على القدوم، وقصص الجبناء كثيرة ومعروفة.
وهي عقبة الطريق الكؤود التي تعرقل بها أكثر الخلق، والسد المنيع الذي حال بينهم وبين الشهادة، والعدو اللدود لها، وطالما صرفت أكثر الناس عنها، فكلما قام علم الجهاد، وتزينت الشهادة للخطاب، ونادت بالناس: ألا ترون فضائلي، ألا تعجبكم محاسني، هلموا إلي ولكم الجزاء الأعظم، تجملت هي وتزينت وتبهرجت وسترت عيوبها التي هي أكثر من محاسنها وقالت: لا تسمعوا لها فأنا أجمل لكم منها.
فيا لله كم من قتيل لها ومنعطب، وواقف معها وآخر عن الطريق منقلب، فمن جاوز هذه العقبة فما بعدها من العقبات أيسر، ومن لم يجاوزها فما أظنه يتجاوز العقبات الأخرى.
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ** وإلا فإني لا إخالك ناجيا
وهذا السبب يكاد يكون الرئيسي لرغبة الناس عن الشهادة، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} التوبة.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} النساء.
وعن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها) قال: قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: (أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم