4.من عجز بمرض أو نحوه، أو لم يبق معه سلاح، أو مات فرسه وهو لا يقدر على القتال راجلا، أو صار في حالة لا يؤثر في العدو البتة، وليس هناك مصلحة من بقائه، وليس فيه إلا الهلاك المحض، فله الانهزام في جميع هذه الأحوال، بل يجب عليه كما سبق عن ابن النحاس، وإلا كان داخلا في إلقاء اليد إلى التهلكة، وقال المناوي في الفيض:"والسادسة (التولي) أي الإدبار من وجوه الكفار (يوم الزحف) أي وقت ازدحام الطائفتين، إلا إن علم أنه إن ثبت قتل بغير نكاية في العدو، فليس بكبيرة، بل ولا صغيرة، بل يباح، بل يجب". انتهى كلامه.
حرب العصابات حرب معاصرة حادثة، وهي عبارة عن مباغتة العدو بضربة مفاجئة وإحداث أكبر الخسائر البشرية والمالية فيه، ثم الفرار والهرب بعدها، حتى لا يتمكن من إحداث الخسائر في صف المجاهدين، فهي عبارة عن"اضرب واهرب".
والفرار والإدبار في هذه الحرب لا يدخل في الإدبار المحرم المنهي عنه، ولا يلحق من فر فيها وعيد ولا منع من الشهادة، وذلك لأمور:
1.أن التولي المحرم مخصوص بالتزاحف، والتقاء الصفوف ومعاينة العدو، وإستراتيجية حرب العصابات ليس فيها تزاحف ولا التقاء، بل هي ضرب مع تخفي ثم هرب، فلا يدخل في التولي يوم الزحف، كما قال تعالى: {إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} الأنفال، وحديث أبي هريرة السابق في السبع الموبقات قال: (والتولي يوم الزحف) .
2.أن حرب العصابات إما أن يفر المقاتلون فيه إلى فئة مقاتلة أخرى، يستعينون بهم، أو يفرون تحرفا لقتال آخر، فيفرون من قتال فئة إلى قتال فئة أخرى من العدو، فهم في جهاد وقتال دائم، وكلا الحالين لا تعد من الفرار المحرم.
3.أن حرب العصابات غالبا ما يكون فيه العدو أكثر من مثلي المجاهدين، وفي هذه الحال يجوز الفرار أصلا.
4.أن الإدبار إنما حرم لأجل ما يترتب عليه من كسر نفوس المجاهدين، والتسبب عليهم بالهزيمة، وحرب العصابات مبناها على الكر والفر والضرب والهرب، وعدم تمكين العدو من المجاهدين،