وبعضهم تكون عنده موانع قدرية تمنعه من الخروج إلى طلب الشهادة والجهاد، فلا يزال يدعو الله تعالى بالشهادة مع ذلك، فترفع عنه الموانع، ويتيسر له الخروج إلى طلبها حتى يستشهد، فإن الله تعالى لطيف لما يشاء إذا أراد شيئا سهل له أسبابه ويسرها.
وانظر إلى عمر رضي الله عنه لما دعا فقال: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك - صلى الله عليه وسلم -) قالت حفصة: (وأنى يكون هذا؟) قال: (يأتي به الله إن شاء) رواه الإسماعيلي.
قال ابن كثير في البداية والنهاية:"فاستجاب له الله هذا الدعاء، وجمع له بين هذين الأمرين الشهادة في المدينة النبوية، وهذا عزيز جدا، ولكن الله لطيف بما يشاء تبارك وتعالى"انتهى كلامه.
فالدعاء من أعظم الأسباب في نيل الشهادة، وحتى لو لم تصبه شهادة المعركة التي هي شهادة الدنيا والآخرة، فإن الله قد يميته على نوع من أنواع شهادة الآخرة، ليحصل له أجر الشهادة، وحتى ولو لم تصبه شهادة الآخرة ومات ميتة عادية على فراشه، فإن الله سيبلغه منازل الشهداء، وكل ذلك ببركة الدعاء بالشهادة، فالداعي بالشهادة صادقا على خير، إما أن يقتل ويعطى الشهادة في الدنيا والآخرة، وإما أن يعطى شهادة الآخرة، وإما أن يبلغ منازل الشهداء ولو بدون عمل.
وحقا إني أستغرب من شخص يدّعي حب الشهادة وإرادتها، ويعلم أنها بيد الله تعالى ومن خزائنه، ومع ذلك لا يدعو الله بها ولا يسأله إياها، فهو أحد أمرين، إما أن يكون حبه للشهادة وإرادته لها ضعيفا وليس صادقا، وإما أن يكون إيمانه بأثر الدعاء وثمرته ضعيفا.
والدعاء بالشهادة لا يدخل بالدعاء بالموت المنهي عنه، فهو مخصوص من هذا النهي، لورود مشروعيته في الأدلة السابقة.
قال ابن القيم في الزاد في الاحكام المستفادة من غزوة أحد:"ومنها جواز دعاء الرجل أن يقتل في سبيل الله وتمنيه ذلك، وليس هذا من تمني الموت المنهي عنه، كما قال عبد الله بن جحش الله لقني من المشركين ..."انتهى كلامه.
وقال الحافظ في الفتح:"وفي قصة بني قريظة من الفوائد وخبر سعد بن معاذ جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت"انتهى كلامه.