وأيضا لا يدخل في تمني لقاء العدو المنهي عنه، قال الحافظ في الفتح:"وحاصل الجواب أن حصول الشهادة أخص من اللقاء، لإمكان تحصيل الشهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزه بكسر الكفار، واللقاء قد يفضي إلى عكس ذلك، فنهى عن تمنيه، ولا ينافي ذلك تمني الشهادة، أو لعل الكراهية مختصة بمن يثق بقوته ويعجب بنفسه ونحو ذلك"انتهى كلامه.
ونقل المناوي في الفيض عن القاضي عياض قوله:"ويدل على ندب سؤال الشهادة ونية الخير، لا يقال سؤالها ملزوم لتمني لقاء العدو المنهي عنه، لأنه لا يتعين في سؤالها كونه على وجه يلزم منه ذلك، بل يمكنه أن يقول اللهم إن قضيت بحضوري لقاء العدو، فهب لي الشهادة أو ما في معنى ذلك"انتهى كلامه.
وقد ورد عند سعيد بن منصور عن إبراهيم قال: سمع عمر بن الخطاب رجلا يقول: اللهم إني استنفق مالي ونفسي في سبيلك - قال الأعمش: وربما قال وولدي -، فقال عمر: ألا لا يسكت أحدكم، فإن ابتلي صبر وإن عوفي شكر.
فعمر إنما كره هذا الدعاء، لأنه فهم منه الدعاء بالبلاء حتى يستنفق المال والنفس والولد ويترتب عليه ذلك، وإلا فالدعاء بالشهادة أمر مشروع، وقد دعا عمر نفسه بها كما سبق قريبا، فلو دعا الرجل دعاء عاما فقال اللهم إني أسألك الشهادة، لما أنكر عليه عمر.
وهذه مواقف من مواقف السلف وغيرهم في دعائهم بالشهادة، لما عرفوا من أثره العظيم في ذلك:
-عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن عبدالله بن جحش قال له يوم أحد: (ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو، فلقني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سبله، فأمن عبدالله بن جحش، ثم قال: اللهم ارزقني رجلا شديدا حرده، شديدا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك - صلى الله عليه وسلم -، فتقول: صدقت، قال سعد: يا بني كانت دعوة عبدالله بن جحش خيرا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.