فإنك لا تجد مرحلة تسلط بها الكافرون على كل شبر من الأرض الإسلاميَّة، ففي موجة التتار بقيت أقطار إسلاميَّة كمصر وما وراءها والجزيرة العربيَّة بعيدة عن سيطرتهم، وفي الحروب الصليبية لم تستعمر إلا أقطار محدودة، وفي مرحلة الإستعمار الحديث بقيت أقطار إسلاميَّة لم يستعمرها الكافرون كاليمن والحجاز ونجد. ففي النصوص بشارة وهي من أعلام نبُوَّته عليه الصلاة والسلام.
926 -* روى مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:"إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوى لي منها، وأُعطِيتُ الكنْزين الأحمر والأبْيض، وإنِّي سألتُ ربِّي لأمَّتي؛ أن لا يُهلِكها بِسَنَةٍ عامَّةٍ، وأن لا يسلِّط عليهم عدوًَّا من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بَيْضَتَهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاءٌ فإنه لا يرَدُّ، وإني أعطيتك لأُمتك: أن لا أُهْلِكاهم بِسَنَةٍ عامَّةٍ، ولا أُسلِّط عليهم عدُوًّا [من] سوى أنفسهم يستبيحُ بيضتَهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها- أو قال: مَن بين أقطارِها- حتَّى يكون بعضهم يُهلِكُ بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا".
وفي رواية (1) : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:"إن الله زَوَى لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكَنْزَين: الأحمر والأبيض"ثمَّ ذكر نحوه.
926 -مسلم (4/ 2215) 52 - كتاب الفتن وأشراط الساعة، 5 - باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.
قال ابن الأثير:
(بِسَنَةٍ عَامَّةٍ) السَّنة: الجذب والشِّدَّة, والعامَّة: التي تَعُمُّ الكل.
(زوى لي) : رَوَيْت الشيء لفلان، أي جمعته له وضممته إليه، وقوله:"وإن مُلكَ أُمَّتي سيبلغُ ما زُوِيَ لي منها"من معجزاته صلى الله عليه وسلَّم، لأنّ مُلك أمته بلغ من المشارق والمغارب كثيرًا واسعًا.
وأمَّا جهة الجنوب وجهة الشَّمال: فلم يبلغ ملك الأمة الإسلامية فيهما كثيرًا مبلغه من جهتي الشرق والغرب، فكان هذا منه صلى الله عليه وسلم إخبارًا عمَّا يقع في المستقبل.
(بيضة الناس) : مجتمعهم ومعظمهم، وبيضة البلد، وسطه ومعظمه، و"استباحهم": جعلهم مُباحًا، يأخذهم أسرًا وقتلًا، ويتصرَّف فيهم كيف شاء. أهـ. ابن الأثير (جامع الأصول) .
(1) مسلم: الموضع السابق.