ومن طرق الحذف: ببيان أن الوصف طردي غير مؤثر في الشرع، أو انتقاض هذا الوصف بحيث نجد الحكم بغير هذا الوصف في غيره من المواطن.
أما تحقيق المناط: فهو تعليق الشارع الحكم بمعنى كلي، فينظر المجتهد في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان، كقوله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم) ، فهذه قاعدة عامة - العدالة في الشهادة هي مناط قبولها-، ولكن معرفة وجودها وتحققها في الشخص الواحد مظنونة وتحتاج إلى نظر واجتهاد، فيأتي القاضي في قضية معينة فيقول: هذا شاهد عدل مرضي، فيصح أن يتحمل الشهادة وتقبل منه، فتطبيق القاعدة على هذا الشاهد يسمى بـ: (تحقيق المناط) .
ومن تحقيق المناط: أن يعلل الحكم في النص ويجتهد المجتهد في بيان أن تلك العلة موجودة في الفرع كالحاق الحشرات بالهرة بعلة الطواف المنصوص عليها في طهارة الهر، كما في الحديث الذي يدل على طهارة سؤر الهرة، والذي أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات".
فاين المعنى الكلي الذي سيثبته الباحث في بعض الأنواع أو بعض الأعيان في كل المسائل التي ذكرها؟
وأما تخريج المناط: وهو القياس المحض، وهو أن ينص الشارع على حكم في محل ولا يتعرض لمناطه أصلًا كتحريم الربا في البُر فيجتهد المجتهد في البحث عن علة الحكم ومناطه بطريق من طرق ثبوت العلة، وهذا يسمى بـ (استنباط العلة) ، لأن العلة إما أن تكون منصوصًا عليها، أو مجمعًا عليها، أو قد تكون مستنبطة، والإستنباط إما يكون بالمناسبة أو الدوران أو السبر والتقسيم، والأستنباط هو (تخريج المناط) .
فالكاتب لم يميز بين تنقيح المناط وتحقيق المناط، ففي تحقيق المناط تكون الغاية كعملية اجتهادية اصولية هي معرفة مدى تحقق هذه العلة في آحاد الصور والوقائع.
(قال الباحث: وهذه الورقة ليست حكما في قضية جرابلس, وإنما هي نظر في تحقيق المناط, وتدقيق فيه وكشف له وتنبيه عليه وتأكيد لأهميته.