الصفحة 92 من 95

أما الجزء الثاني من القاعدة (لا محرم مع الضرورة) ، هو معنى القاعدة المشهورة عند الفقهاء (الضرورات تبيح المحظورات) ، وهي مستفادة من النصوص القرآنية التي استثنت حالة الإضطرار في ظروف خاصة بعد تعدد المحرمات، وقد تم التوضيح في اعلاه أن للقاعدة مقيدات، فتراجع بمحلها.

ولاترابط بين قصة النجاشي والساحة السورية، وسيتم بيان فساد قياس الباحث في طيات الرد.

فالباحث أراد التوصل من خلال هذه الشبهة إلى تجويز الحكم بغير ما أنزل الله وجعل الأصل: قصة النجاشي، والفرع: الجماعات السورية والعلة المشتركة: العجز، والحكم: جواز الوقوع في الكفر الأكبر والحكم بغير ما أنزل الله عند العجز؟

وهذا قياس فاسد، لعدم إشتراك العلة حيث أن الجماعات السورية عجزها في بعض الموارد غير حقيقي، وعجز النجاشي عن العمل ببعض الشريعة حقيقي لعدم بلوغ التكليف، وقصة النجاشي قبل اكتمال التشريع فهو توفى عام 9 للهجرة قبل اكتمال الشريعة، والجماعات في الساحة السورية بلغها كل التشريع، ولفساد مادة قضاياه، فهو قرر في الصغرى: أن النجاشي كفر لعجزه، وهذه مقدمة فاسدة، فلم يقل أحد من أهل العلم أن النجاشي كفر لتركه العمل ببعض التكليف الذي لم يبلغه، ودعوى أن النجاشي كفر لحكمه بغير ما أنزل الله وعُذر للعجز، دعوى بلا دليل لإثباتها إلى دليل صريح صحيح!

ولكن الثابت بالدليل أن الصحابة المهاجرين إلى الحبشة لم تبلغهم بعض الشرائع التي أنزلت في غيبتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو الحال بالنسبة للنجاشي أيضًا، والمسلم مكلف بما بلغه من الشرع وما لم يبلغه فهو غير مؤاخذ به.

وكون النجاشي مات مسلمًا، فهذا دليل على على أنه فعل مايجب عليه بقدر ما بلغه من دين الإسلام سواء كان قد حكم أو لم يحكم بما أنزل الله.

فقياس الحكام الكفرة في زماننا على النجاشي ظلم، فكيف يستوي من قام بما بلغه من الأحكام مع من يرد الأحكام بل يقتل ويعذب ويسجن من يطالبه بتطبيقها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت