وحكام زماننا قد بلغهم ما يجب عليهم وعلموا المراد منه فردوه وابدلوه بزبالات العقول وازدادوا طغيانًا وكفرًا!
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - فيه صواب وخطأ [1] :
أما الصواب: فهو أن العاجز عن شيء من الشريعة سواء من جهة عدم التمكن من العلم، أو عدم القدرة على فعله، فهو معذور لا أثم عليه.
وأما الخطأ: فقول شيخ الإسلام - رحمه الله-:"أن قوم النجاشي - وهم كفار - كانوا لا يقرونه على الحكم بالقرآن، وهو لا يمكنه مخالفتهم، فهو خطأ، وهذا القول لا يصار اليه في الأصل إلا بعد إثبات بلوع أحكام الشريعة إليه، وأنه لم يلتزم بها بعد البلاغ، ولم يثبت ذلك بنقل صحيح بل الظاهر خلاف ذلك، كما يدل عليه حال الصحابة العائدين من الحبشة، فكيفي القول بأن الشرائع لم تبلغ النجاشي فلم تجب عليه."
أما القول بأن قومه كانوا ينكرون عليه ولا يقرونه، فهذا محض ظن وتخمين، وهذا ليس من الأعذار التي تجيز ترك الحكم بالشريعة، وهذا وجه الخطأ في كلامه، وإلا لجاز لأي حاكم ممن يحكمون بالقوانين الوضعية اليوم أن يعتذر بهذا العذر فيدعي أنه يخشى من قومه أو يخشى من القوى العالمية، والدول الكبرى إن هو حكم بالشريعة، وهذا ليس بعذر مقبول يمنع من تكفيره.
والدليل على ذلك قوله تعالى {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [2] .
وجاء في قصة ملك الروم مع قومه في الصحيحين، فلما بلغته رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوه إلى الإسلام، أراد أن يُسلم، ولكنه خاف من قومه أن يقتلوه كما قتلوا غيره ممن أسلم من أساقفة النصارى، فأراد أن يختبرهم فلم يوافقوه فلم يُسلم، وكان هذا آخر شأنه.
(1) . انظر: الجامع لطلب العلم الشريف: عبد القادر بن عبد العزيز، ج 2/ 1036.
(2) . (المائدة: 44) .