ولينظر الباحث لقول ابن حجر -رحمه الله- في شرحه لهذا الحديث، حيث قال:"وكان يحب أن يطيعوه فيستمر مُلكه ويسلم ويسلموا بإسلامهم، فما أيس من الإيمان إلا بالشرط الذي أرداه وإلا كان قادرًا أن يفر عنهم ويترك مُلكه رغبة فيما عند الله، والله الموفق".اهـ [1]
فالشاهد أن خوف هرقل من قومه لم يكن مانعًا من تكفيره، ولم يقع عليه إكراه فقد كان بإمكانه أن يفر عنهم كما قال ابن حجر.
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله:"إن قوم النجاشي لم يكونوا ليوافقوه على إظهار دينه والحكم به، وأنه كان لا يستطيع أن يخالفهم، فيه نظر، بل خالف ابن القيم - رحمه الله - شيخه فيما نقله، وذهب إلى أن النجاشي أظهر دينه - أي ما بلغه من الدين وعلمه -، وأن قومه أطاعوه، وأن هرقل علم بإسلام النجاشي لأن النجاشي كان يدفع له خراجًا."
قال ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد:"في ذكر هديه -صلى الله عليه وسلم-في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث غمرو بن العاص إلى ملك عُمان يدعوه إلى الإسلام، وهو جيفر وأخيه عبد ابني الجلندي، فسأل عبد ابن الجلندي عمرًا فقال فيما رواه عمرو: فسألني اين كان إسلامك، قلت عند النجاشي وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه، فقلت: أقروه واتبعوه، قال والأساقفة الرهبان تبعوه، قلت نعم، قال انظر ياعمرو ما تقول إنه ليس خصلة في رجل أفصح من الكذب، قلت: ماكذبت، وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل عَلِمَ بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال بأي شيء علمت ذلك، قال كان النجاشي يخرج له خرجًا فلما أسلم وصدق بمحمد - صلى الله عليه وسلم- قال: لا والله، لو سألني درهمًا واحدًا ما اعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال: له النياق أخوه، أتدع عبدك لا يخرج لك خرجًا ويدين بدين غيرك محدثًا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال: انظر ما تقول ياعمرو، قلت: والله صدقك".اهـ [2]
(1) . (فتح الباري: ج 1/ 43) .
(2) . (ج 3/ 63) .