فكان عمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنه- يعطى لها أرزاق أولادها الأربعة، لكل واحد مائتا درهم، حتى قبض. الإستيعاب 2/ 90
إنها الخنساء المؤمنة القوية التي حوَّل الإسلام حياتها، وصنع الإيمان منها نموذجًا جديرًا بأن يحتذي، فهاهي ذي في الجاهلية قالت حين قُتل أخوها صخر:
ألا يا صَخْرُ لا أنْساكَ حتّى ... أُفارِقَ مُهْجَتِي ويُشَقَّ رَمْسِي
وَلوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ... على إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نفْسِي
وما يَبْكُونَ مِثْل أَخِي ولكنْ ... أُعَزِّي النَّفْسَ عنه بالتَّأَسِّي
يُذَكِّرُنِي غُرُوبُ الشَّمْسِ صَخْرًا ... وأَذْكُرُه لُكلِّ طُلُوعِ شَمسِ
وقالت ترْثِي أخاها صخْرًا:
يا صخْرُ وَرّادَ ماءٍ تَناذَرَهُ ... أَهْلُ المَوارِدِ، ما في وِرْدِهِ عارُ
مَشَى السَّبَنْتَي إلى هَيْجاءَ مُعْضِلَةٍ ... لَها سِلاحانِ أَنْيابٌ وأَظْفارُ
فما عَجُولٌ على بَوٍّ تُطِيفُ به ... لَها حَنينانِ إِصغارٌ وإِكْبارُ
تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتّى إذا أدَّكَرَتْ ... فإنّما هي إِقْبال وإَدْبارُ
يومًا بأَوْجَدَ مِنِّي يومَ فارَقَنِي ... صَخْرٌ، وللدَّهرِ إِحْلالٌ وإمْرارُ
وإنَّ صَخْرًا لَتَاتَمُّ الهُداةُ به ... كَأَنّه عَلَمٌ في رَاسِهِ نارُ
وإنَّ صَخْرًا لَوالِينا وَسيِّدُنا ... وإنَّ صَخْرًا إذا نَشْتُو لَنَحَّارُ
حامِي الحَقِيقَةِ، مَرْضِيُّ الخَلِيقَةِ، مَهْ ... دِيُّ الطَرِيقَةِ، نَفَّاعٌ وضرّارُ
جَوَّابُ قاصِيَةٍ، جَزَّازُ ناصِيَةٍ، ... عَقّادُ أَلْوِيَةٍ، للخَيْلِ جَرّارُ
وفى الإسلام، تضحي بفلذات كبدها في سبيل اللَّه. ولا عجب في الأمر، فهذا هو حال الإسلام دائمًا مع معتنقيه ومحبيه، يحيل حياتهم إلى فضائل، ويغرس فيهم الصبر والإيمان، ويعينهم على التسامي على الشدائد والمحن.