فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 167

د. أكرم حجازي

لو قارنا ضربة 11 سبتمبر2001 التي نفذها تنظيم القاعدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية بأي حدث في القرن العشرين بدء من الحرب العالمية الأولى وما تبعها من انهيار للإمبراطورية العثمانية واتفاقيات سايكس - بيكو وتقسيم الوطن العربي وفرض سياسة الانتداب وانتهاء بالحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من اغتصاب لفلسطين وأجزاء أخرى من أراضي الدول العربية لتبين لأجيال اليوم أن الضربة أقوى من كل الأحداث التي وقعت.

قال لي صديق في ثمانينات القرن الماضي أن الدول العربية عاجزة جميعها عن تحرير فلسطين، فسألته عن السبب؟ فقال لي: أن ضربة إسرائيلية واحدة قد تحطم هذه الدول قبل أن يرتد إليها طرفها. فقلت له: وما الحل؟ فقال: حرب عصابات من شأنها أن تقلب الطاولة على رأس الجميع. وهذا ما فعلته بالضبط القاعدة. فهي الوحيدة التي تجرأت على مواجهة وضرب رموز القوة في العالم.

فما حدث كان ضربة صاعقة مدمرة بكل معنى الكلمة، وضربة مفاجئة ومهينة ومذلة لأعتى رموز القوة في العالم ولأعتى رموز الهيمنة والغطرسة في التاريخ الإنساني. وقد يكون الخيال قد داعب القوى العظمى أثناء الحرب الباردة بتدمير بعضها عشرات المرات وتغيير وجه التاريخ الكوني وطبيعة الحياة على الأرض بموجب ما تمتلكه من أسلحة فتك ودمار شامل وإبادة ولكنها بقيت خيالات في صميم وفلسفة الحرب الباردة القائمة على الردع والتخويف وحق الجميع في الحياة ومصلحتهم في استمرارها، ولكن ما من قوة على وجه الأرض من هذه القوى أو غيرها كانت مستعدة في لحظة من اللحظات إلى تمرير مجرد اختراق جوي لأراضي الخصم دون أن تحسب ألف حساب للعواقب فكيف بها في التفكير بضرب رموز القوة؟

صحيح أن القاعدة في شريطها الأخير تكون قد وثقت للحدث بلا منازع، ولكن قل من صدق أنها فعلته حين وقوعه، وقل من صدق أنها قادرة على تنفيذه، وقل من صدق أنها قادرة على التفكير بهجمات من هذا الحجم الذي لا يخطر ببال عتاة العسكريين والدول. وقل من صدق أن بلدا يفتقد لطريق معبد وبعيد عن الحضارة وفقير في المعدات والتجهيزات قد يخرج منه ما يذل زعماء العالم وقادته بكل ما يتوفر لديهم من أسباب القوة والردع، وندر من صدق إن لم يكن عدما أن تغزو أضعف قوة أراضي الولايات المتحدة الأمريكية التي نشأت وتأسست على عقلية الحصانة من أي عدو خارجي فإذا بها تصفع على وجهها عدة صفعات ألحقت بها عارا لن يمحوه تاريخ ولا غطرسة ولا احتلال هذا البلد ولا ذاك.

صفعة ضد مراكز التجارة التي توصف بقرون الاستشعار وتطل على العالم متحكمة بكل اقتصاده وخيراته دون أن يستطع أحد مواجهتها، وصفعة ضد البنتاغون (وزارة الدفاع) ، مبنى القتل والإجرام والاحتلال والتهديد والإرهاب والرعب العالمي، وصفعة لم تتحقق كانت في طريقها إلى رأس التآمر والاستعلاء العالمي في البيت الأبيض. وصفعة في الصميم ضد قوى الأمن والرصد والاستخبارات الأمريكية العالمية داخل أمريكا وفي شتى أنحاء العالم والتي تلقت جميع الصفعات ومن شتى الاتجاهات، صفعات ضد قوى الأمن في العالم أجمع والذي بهت المليارات من سكانه لا يدرون ما يفعلون ولا ما يحدث.

فمن يجرؤ على إهانة القاعدة أو مواجهتها أو النيل منها دون أن يحسب لها ألف حساب؟ هذا هو العالم الذي نعيشه الآن بعد هجمات سبتمبر ولندن ومدريد وكينيا وتنزانيا واليمن وأفغانستان والعراق. قوة صغيرة عالقة في شتى أنحاء العالم تتجرأ على إعلان الحرب على ما تراه ظلما وعدوانا على الإسلام والمسلمين، وتعلن أن العالم بات اليوم ينقسم إلى فسطاطين: فسطاط الحق وفسطاط الباطل. فلماذا تهاجم القاعدة بهذه الشراسة غير المعهودة إلا من شراسة الولايات المتحدة في قنابلها الذرية على المدن اليابانية؟

لقد مر العالم مرور الكرام على الحدث التاريخي الشهير في أفغانستان سنة 1998 لما أعلنت القاعدة وجماعة الجهاد المصرية وبعض القوى الإسلامية عن تكوين الجبهة الإسلامية العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين، في حين كان التحضير لهجمات سبتمبر والقيام بعمل كبير يستهدف أمرين اثنين على مستوى الأمة الإسلامية وهما:

• رفع راية الجهاد ضد قوى معينة تعتبرها القاعدة قوى صائلة في بلاد المسلمين ينبغي دفعها، وبالتالي العمل على تحشيد الأمة تحت هذه الراية، وبطبيعة الحال لم يكن المقصود راية القاعدة حصرا بل راية الجهاد الإسلامي العالمي الذي يستهدف الفرد والجماعة الإسلامية أينما وجدت.

• إظهار قيادة للأمة عبر عمل ضخم كهجمات سبتمبر كي تتحقق شرعية الراية من جهة وشرعية القيادة الجديدة للأمة.

الآن، هل يمكن القول أن القاعدة نجحت في مساعيها أم لا؟ لا شك أنها مسألة فيها الكثير مما يقال، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمشروعية ما قامت به القاعدة إذا ما قيست الأمور بالنتائج، ولكن إذا كان للساسة أن يحتجوا على ما فعلته القاعدة، وأنها لم تستشر الأمة فيما عزمت على تنفيذه، فلأنصار هذه الأخيرة ولكثير من الناس الذين لم يستشاروا في حياتهم آراءهم أيضا، والنتيجة الحاسمة أن انقسامات كبيرة يعاني منها المسلمون رسميا وشعبيا بعد هجمات سبتمبر وصل بعضها إلى حد التحالف العربي مع الأمريكان وتغطية التدخلات العسكرية الأمريكية وحتى الإسرائيلية في بلدانها ضد هذا الطرف أو ذلك والاستجابة لتدخلات ثقافية وقيمية وسياسية وأمنية صارخة مما يؤشر على أخطار حقيقية محدقة بهذه الأمة التي لم يعد لها أي وجود فاعل على الإطلاق لا في مجتمعاتها ولا في ساحاتها الإقليمية ولا على المستوى الدولي.

أما بالنسبة للقاعدة فإن أخطر ما تواجهه هو المد السلفي الجهادي غير المؤطر والآخذ في التصاعد دون القدرة على السيطرة عليه مما افقد هذا التيار القدرة على تحديد أولوياته، ففي الحرب الإسرائيلية على لبنان غلب على التيار السلفي ميله وتحمسه الشديد إلى معاداة الشيعة أولا وتمني هزيمة حزب الله على حساب معاداة العدو الأكبر وهو إسرائيل، وقُدّمت الحرب كما لو أنها حرب إسرائيلية على الطائفة الشيعية، ووصل الأمر ببعض المشايخ، في معرض تفسيره لسورة الروم، ليصدر فتوى ترى في الشيعة مجوسا فيما ترى في اليهود رومًا، وبالتالي فهم أقرب إلينا من الفرس باعتبارهم أهل كتاب! ولعمري أن هذا شطط وجنون لم يقع له مثيلا في تاريخ الأمة الإسلامية. وأحسب أن هذه الحرب كانت أعسر امتحان للقاعدة لدرجة أن خطاب الظواهري الذي كان من المفترض أن يكون أشد وضوحا شابه الغموض قليلا بفعل الحذر الشديد الذي ميزه، مما سمح بالالتفاف على الخطاب والإمعان في تأويله ليتوافق مع الهوى.

ولعل القاعدة أحست أنها فعلا في مأزق، وبهذه الوضعية تكون كمن وقع بين مطرقة الأنصار وسندان العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان. فلا هي قادرة على كبح جماح العاطفة المضادة للشيعة لدى التيار والتي أفلتت من عقالها، ولا هي قادرة على تجاوز مواقف الأنصار المندفعة في العداء بلا هوادة.

لا شك أن الموقف العقدي من الشيعة لا جدال فيه مثلما لا جدال في تاريخهم السيء الصيت ولا في حاضرهم الوحشي والبغيض في العراق تحديدا، ولكن إذا كان من المفترض على القاعدة أن تعلم، وهي كذلك على كل حال، أن الصدام مع الشيعة في العراق أو لبنان أو السعودية أو باكستان أو أفغانستان قد يقع بين الفينة والأخرى مثلما قد يقع، وهو واقع فعلا، مع أطراف سنية، فمن الأولى بها أن تحتفظ بأولويات انطلاقتها كجبهة عالمية لمقاتلة اليهود والنصارى إذا أرادت أن تفلت من الفتن الداخلية وتوجه طاقاتها نحو الأهداف التي سعت لتحقيقها.

أما الإشكال الثاني الذي وقعت فيه القاعدة فهو مسألة التكفير. ونقول بصريح العبارة أن المشكلة لا تقع في مستوى القيادة السياسية للقاعدة بقدر ما تقع غالبا في القيادات الميدانية وفي مستوى الأنصار من تلامذة العلم وشيوخهم الذين لا يضيرهم تكفير من اختلف معهم في الرأي ولو على أقل الموجبات وأدناها.

ثمة مشكلة أخرى يبدو أن القاعدة تعاني منها وهي المشكلة التنظيمية. فقد تعرضت القاعدة في مستوى الكوادر والقيادات إلى ما يشبه الانقراض قتلا أو اعتقالا لدرجة أنها عولت كثيرا على أبو مصعب الزرقاوي كقائد ميداني للأمة، وفي هذا السياق يأتي شريط الظواهري الشهير إبان الحرب على لبنان حينما رأيناه يفتح النار على الجماعة الإسلامية التي حاولت اللعب في ملعبه فرد الصاع صاعين وفي عز الحرب مقدما أحد قادتها المغمورين إلى الأمة، وكذا الأمر فيما يتعلق بشريط عزام الأمريكي، وكأن القاعدة تبحث عن قيادات جديدة للأمة.

هذه مشاكل كبيرة تواجهها القاعدة. فليس من المعقول أن يجاهر تنظيم إسلامي عالمي هو الأول من نوعه بالقول أن تطلعاته وطموحاته تبلغ مصالح كل الأمة الإسلامية ويزيد عليها مصالح المستضعفين في العالم ويحدد له عدوا مركزيا يرى فيه سببا وجيها للظلم الواقع على البشرية ويتجند لمواجهته كأولوية لا تتجاوزها أية عقبات ثم يستأثر بعض أنصاره بأولوياتهم بحيث تغدو طائفية حينا وتكفيرية حينا آخر. ومع ذلك فمن اللافت للانتباه حقا أن تشتعل كل الجبهات التي تتواجد بها القاعدة بطريقة باتت تستعص على الكسر كما يصرح بذلك وزير الدفاع الكندي. فشهر العمليات التي نفذتها المقاومة الإسلامية ومنها القاعدة في العراق خلال الحرب على لبنان كانت الأشد وقعا على القوات الأمريكية منذ احتلال البلد، وبات المراقبون يرصدون باهتمام الشرائط الصوتية التي غدا أبو حمزة المهاجر يبثها تباعا من العراق متوعدا ومحذرا من عمليات انتقامية ضد القوات الأمريكية ردا على جرائمهم ضد المدنيين وثأرا لأبي مصعب الزرقاوي. ولو تابعنا المشكلة في أفغانستان فيبدو أن قوات التحالف هناك في ورطة حقيقية، حيث لم تعد الهجمات التي تنفذها طالبان والقاعدة مجرد مجموعات صغيرة تضرب هذه الدورية أو تلك بقدر ما باتت هجمات شاملة أشرس من تلك التي تشنها القاعدة في العراق تستهدف مناطق بأسرها حتى غدا البعض يتحدث عن أن معارك تحرير أفغانستان قد بدأت بالفعل.

أما الملمح الأشد خطورة والذي لم تأت نتائجه بعد فيقع على مستوى المواجهة الشاملة بين الإسلام والغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. فالرئيس الأمريكي الذي"زل"لسانه حين أعلن عن حرب صليبية وتبعه الكثير من قادة العالم الغربي نراه يتحدث هذه المرة عن فاشية إسلامية ينبغي اجتثاثها، وهو لا يتحدث بطبيعة الحال عن اجتثاث القاعدة بل عن اجتثاث الإسلام الذي يمثل خط الدفاع الأول والأخير عن هذه الأمة. وليس أدل على ذلك من استنفار علمائه ومستشرقيه وإعلامه لبدء حملات تشويه ومضايقة ضد كل ما هو سلامي بدء من حملة ليز تشيني ولقائها الزعماء العرب وانتهاء بعميد الحقد والكره العالمي للإسلام دانيال بايبس الذي افتتح مؤسسته الجديدة لمحاربة الإسلام بعنوان"معهد مكافحة الإسلام Anti- Islamist institute"، وللقارئ أن يلاحظ فقط أن المستهدف لم يعد"الإرهاب الإسلامي"كما يدعون بل الإسلام برمته.

وفي المقابل فإن عشرات الجولات لا تكفي قط للاطلاع على إصدارات التيار السلفي الجهادي من مقالات ونشريات وبيانات وردود ووثائق ومؤلفات في السياسة والحرب والأمن والتمويه والخداع وحروب العصابات والتاريخ والعقيدة والسيرة والفتاوى والأشرطة المرئية والمسموعة وغيرها. وفي الحقيقة فالمتابع يجد صعوبة بالغة في رصد الإنتاج السلفي الجهادي بدرجة تفوق مئات الأضعاف مقارنة بما أنتجته حركات التحرر العربية وحتى كل ما تنتجه الحركة الوطنية العربية بجميع أجزائها الرسمية والشعبية والإسلامية التقليدية والعلمانية. والأكثر إثارة يكمن في نوعية الإنتاج والتحاليل ومستوى التفكير العميق إذا ما تعلق الأمر بالتخطيط والتدريب والشروحات والتفاسير والتجارب والنقد وغيرها. بل أن المتابع يشعر وكأن هناك جيوش جرارة من العاملين في حقول المعرفة المؤسسة على فكرة المواجهة العالمية ما بين الإسلام والغرب. وإذا كنا صريحين أكثر فمن الصعب على المرء تصور أن يمر هذا الحجم الهائل من الإعداد والعدة والتحضيرات والبناء دون مواجهة، فما يجري من الطرفين تجاوز كل إمكانية في التفاهم والتراجع.

نشرت بتاريخ 02 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت