د. أكرم حجازي
سيكتب التاريخ أن رئيسا عربيا أعدم شنقا أو ذبحا فجر عيد الأضحى المبارك بصورة وحشية، حاقدة، قذرة، منحطة ومأساوية ولا مثيل لها في عصرنا الراهن. وسيكتب التاريخ أن رئيسا عربيا واحدا فقط من عصر ما بعد الخلافة بذل جهدا جبارا في بناء دولة ولو بمعايير حديثة تكون قوية وقادرة على حماية نفسها وحمل بعض هموم الأمة والدفاع عنها، وسيكتب التاريخ أن رئيسا عربيا واحدا شجاعا وشامخا لا يملك منزلا قرر مواجهة مصيره ومصير أبنائه والتعرض للقتل من قبل خونة وهو يسخر منهم ويأبى تغطية رأسه أو عينيه على أن يترك بلاده ويهرب بمليارات الدولارات.
أما أحفادنا من الأجيال القادمة فسيسألون عن مشاعر أمة بليدة هانت عليها نفسها وقضاياها وقيادة رثة قبلت أن تنتهك كرامتها وإنسانيتها وأخلاقها ودينها وتذل شعوبها إلى الحد الذي باتت فيه شعوب العالم، لهول ما تتعرض له، تألم لها بينما لا تألم هي لنفسها مقدار ذرة! وكأنها سراب لا وجود له في الأرض ولا في السماء. وستعجب الأجيال، ولعل هذا قريب، من قدرة هذه الأمة على تحمل ضيم لا تقوى عليه الجبال، ومهانة لا يرتضيها وضيع. فلم يعد أحد يثق بدولة ولا بسلطة ولا بحكومة ولا بنظام سياسي خاصة وأن ظهره بات مكشوفا منذ زمن بعيد للقوى الأجنبية ابتداء من رئيس الدولة وانتهاء بالجندي وابتداء من الدولة حتى المجتمع وابتداء من الحضارة المزعومة وصولا العقيدة. فكل شيء بات مباحا ونهبا، فلا وجود لحرمة أو مقدس أو عظيم بمنأى عن الانتهاك والتدنيس وإلحاق الأذى والعار به.
بداية لنقل أن القتلة الذين نفذوا الإعدام بحق الرئيس العراقي صدام حسين، والذي نحسبه شهيدا عند الله عز وجل ولا نزكيه، ليسو سوى أدوات الجريمة المشبعة بالحقد والكراهية، فهم بالتأكيد ليسوا عربا ولا مسلمين ولا أمريكيين ولا جيران ولا أصدقاء ولا أخوة ولا أقرباء، فهم صفويون حتى النخاع، وعملاء إيران حتى الثمالة وظهورهم طيعة للخيانة والغدر والنذالة منذ مأساة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والحسن والحسين رضوان الله عليهم، فإذا هان على مثل هؤلاء المجرمين أعظم الشهداء وأحب الخلق إلى الرسول الكريم فليس صدام حسين إلا أقل من نحسبهم عند الله شهيدا، على الأقل، جزاء لنطقه بالشهادتين قبل أن يلفظ أنفاسه.
هؤلاء الذين نفذوا عملية القتل الوحشي القذر، ممن يسمونهم بجحوش الاستعمار، فصّلوا وقائع الجريمة، مع أسيادهم، على مقاسهم الذي يلائم نفوسهم المريضة الحاقدة لتشمل، وبامتياز، جميع عناصر الصراع بين الكفر والإسلام.
فقد أُعدم صدام حسين صبيحة العيد نكاية في المسلمين كما لو أنه قربان الأضحى، وساقه إلى حبل المشنقة مَن هم خارج الملة وخارج الأخلاق والمشاعر الإنسانية وهم يتصايحون ويتناعقون باسم ربهم الأعلى مقتدى الصدر دون أن ترهبهم أو تردعهم شهادة ملك الموت وهو حاضر بين ظهرانيهم بأمر من الله وليس بأمر منهم، كما لو أن صدام عدو الأعداء ومجرم العصر إذلالا للأمة وتهشيما لكبريائها وكرامتها، لينتشي أتباعهم، كالعادة، في القتل كما يفعل أسيادهم من بني يهود الذين اعتبروا الجريمة إحقاقا للعدالة! ويا لها من شهادة بحق الصفويين الجدد من أسيادهم وهم يثنون عليهم هذا الثناء العظيم! ومن عميق حقدهم وحقد مجوسييهم أن إعدام صدام نفذ على خلفية ما سمي بقضية الدجيل وليس على ما يزعم من قضايا الأنفال وحلبجة التي يقول الأكراد أنهم ضحاياها، وهكذا غدت أضحية العيد من نصيب الشيعة الذين لهم وحدهم الحق في الانتقام وتفريغ أحقادهم وضغائنهم فيها فيما أقرانهم من مجرمي الأكراد وعملائهم لم يحظوا حتى بحضور يشفي القليل من غليلهم ويرفع بعض العتب.
هؤلاء هم أحفاد الصفويين الذين غدروا بالدولة العثمانية وهم الذين خذلوا أمير المؤمنين وهم الذين قتلوا الحسن والحسين رضي الله عنهما وهم الذين يتلاطمون ويردحون ويتباكون في ذكراهم جزاء بما اقترفته أيديهم بحقهم وهم الذين تعاونوا مع القوى الغازية في شتى الأزمان والعصور ضد الدولة الإسلامية وهم الذين انتهكوا حرمات بيت آل الرسول الكريم وأزواجه وصحابته الكرام الأطهار وهم الذين حرفوا في دين الله وبدلوا وزعموا الباطل والكفر والعصيان والفسوق وارتكبوا الموبقات وقالوا بها دين الله! وهم الذين لا يستحون من الخيانة والعمالة ويتغنون ليل نهار بأن أمريكا لظهورهم حامية ولمجدهم ساعية ولعصرهم راعية.
كيف يريد هؤلاء من الأمة الإسلامية أن تصدق أنهم دعاة الألفة والدين والأمة الواحدة وخرافات الوحدة الوطنية وما قتلوا صدام حسين إلا غدرا وانتقاما وحقدا؟ ومن سيفكر بتفاهم أو مصالحة معهم وقد نفثوا الكراهية من أحشائهم لا يلوون على شيء إلا قتل السنة وإذلالهم والتمثيل بجثثهم وحرقهم وتصفية نخبهم؟ من هو عدوهم الشرعي إذا كانت إيران ربيبتهم وأمريكا حاميتهم وإسرائيل مثلهم الأعلى؟ من هو عدوهم إذا كان الإسلام هو العدو والدين عندهم محرف والصحابة الكرام، بعرفهم، كفرة فجرة وبعض آل البيت أعلى مقاما من الأنبياء؟ ولما يكونوا كذلك فليقولوا للأمة ما هي قضيتهم التي يعيشون لأجلها؟ ولماذا هم موجودون على هذه البسيطة؟ وأية علاقة تربطهم ببني البشر؟
أجيبوا على هذه الأسئلة وإلا لن يكون للسنة جواب إلا أن تكونوا عدوهم وقضيتهم مثلما هم الأمريكيين وعبدة الصليب واليهود والمشركين والملحدين والمنافقين؟ وكيف نلوم القاعدة وفصائل المجاهدين والكثير من العلماء وحتى عامة الناس من أهل السنة إذا اعتبروكم عدوا أخطر من أعدائهم التقليديين؟
لنقل أن في السنة من يحب صدام حسين ومن يكرهه، ولنقل أن الرجل له وعليه، ولكن لنكن واضحين بالقول أن مقتل صدام حسين بهذه الطريق الوحشية والمهينة عن سبق إصرار منذ لحظة الاحتلال ستعني أنه لم يعد للسنة من موقف محايد أبدا في الصراع الدائر في العراق وخارج العراق. فما حدث لن يؤدي إلى استقرار ولا أمن ولا وحدة وطنية كما يروج أدعياء الشيعة ويتمنى الغرب ليحلو له المقام في العراق ويطول. وعلى الأرجح، أن الصراع سيتفاقم ليس على خلفية مقتل صدام، مثلما أن المقاومة أيضا لم تندلع على خلفية اعتقاله، بل على خلفية الصراع الطائفي الذي يؤججه الحاقدون والعملاء ومطايا قوى الاحتلال داخل العراق وخارجه. كما أن الصراع سيأخذ منحى عقديا أشد بأسا من ذي قبل بما أن القوى التي أملت إلى حين بالإفراج عن صدام حسين أو تحقيق صفقة ما مع الولايات المتحدة ستضطر الآن إلى إعادة النظر بمواقفها منذ بداية الاحتلال بعد أن ذهبت أمانيها أدراج الرياح وبعد أن نطق صدام حسين بالشهادتين وبدا شديد البأس وثابت الخطى وشجاع في مواجهة مصيره دون خوف أو وجل وهي صفات لا يتحلى بها إلا من أوكل أمره لله واستسلم لباريه، فلعل في ذلك ما يوحي لهذه القوى بأن الرئيس القتيل ربما يكون فعلا قد نحا باتجاه عقدي، ولعله حفظ أجزاء كبيرة من القرآن خلال فترة اعتقاله، ولعله أراد أن يقول شيء ولم يستطع أو لم يفصح عنه.
ولأن صدام حسين مثل رمزا للبعث في العراق فلم يعد أمام القوى البعثية إلا حسم أمرها بعد أن سقط الرمز، ولا أحد يدري ما الذي سيفعله البعثيون أو كما يسمونهم من جانب آخر بالصدامين، ولا أحد يضمن أن الاستخبارات العراقية ومحبي صدام حسين بعد أن طعنت كرامتهم وديست مشاعرهم كيف ستكون ردة فعلهم؟ هل سينضمون إلى دولة العراق الإسلامية التي أعلنها حلف المطيبين ومن ورائه مجلس شورى المجاهدين؟ أم سيتجهون إلى العصبية الحزبية وسيعمدون إلى الأخذ بثأر رئيسهم والانتقام لدمه؟ أم أنهم سيستكينون ويعتبرون أن الحقبة انتهت وأن عليهن أن يستجيبوا لدعوى الماكي بالانضمام للعملية السياسية؟
المؤكد أن إعدام صدام لن يؤثر سلبا في الصراع الدائر بين قوى المقاومة من جهة وقوى الاحتلال والعملاء والشيعة من جهة ثانية ولا بمقدار ذرة، وهو ما اعترفت به الولايات المتحدة نفسها، ومن الطبيعي أن الأحقاد ستزداد وردود الفعل ستشهد تنوعا وحدّة أزيد من ذي قبل. لذا من الأفضل القول: وداعا يا سيادة الرئيس، وليتغمدك الله برحمته الواسعة.
نشرت بتاريخ 04 - 03 - 2009