فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 167

د. أكرم حجازي

في ظل شريعة العولمة التي تحكم العالم وتتسيدها القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد ثمة أدنى حديث يذكر عن شرعية دولية أو قانون دولي أو أخلاق إنسانية أو حقوق قانونية أو إنسانية أو طبيعية أو تضامن دولي أو إقليمي أو شعبي. وفي أحسن الأحوال ثمة حديث عن سوق فقط ليس فيه شرعة ولا حقوق إلا ما يصكه الكبار وما يحددوا من محتويات له تبدأ بحق الإنتاج والتسويق للسلع والخدمات والتجارة وتنتهي بحق الغزو والاحتلال والقتل والأسر والتعذيب والتشريد والتهديد والحصار والتجويع والقهر والسلب والنهب بلا حسيب أو رقيب وبلا وازع حتى من السمات الآدمية للبشر.

وبهذه الشريعة فإذا كان من حق الطفل أو الطفلة ممارسة متعة التسوق الصباحية ببضعة قروش لشراء بعض الحلوى والفرح بها فمن حق إسرائيل أيضا ومثلها من المجرمين أن تمارس متعة التسوق بالقتل وما شابه. بهذه المعادلة تستطيع إسرائيل أن تفتك كيفما تشاء وبمن تشاء من الأطفال في غزة والضفة وعلى الشواطئ وبين الجدران وداخل البيوت والشوارع دون أن يردعها أحد باعتبار أن ما يجري هو ممارسة حقوق شخصية في سوق مفتوح، وليس أدل على ذلك من اعتراف قادة السوق ومشرعي قوانينه من المتحدثين الأوروبيين والأمريكيين بهذه الحقوق، والذين يؤكدون عقب كل مجزرة دموية على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، باعتبار أن ما تفعله إسرائيل لا يتعدى قوانين السوق.

ولما كان من حق الأمم المتحدة، فيما مضى، أن تفاضل في اختيار السلع التي تريدها فلم يعد من حقها أن تفاوض على أكثر من سلعة واحدة مختارة لها، بل أنها بالكاد تبحث عن سلعة هزيلة سامة لا تملك حتى ثمنها في شرعة باتت تدافع وتبرر القتل في استخدام القوة ولكن بلا إفراط، إذ يمكن لإسرائيل أن تقتل ما تشاء وكيفما تشاء ولكن بدل استعمال الدبابات والطائرات لقتل عائلة يمكن الاكتفاء ببضعة قذائف لتحقيق الهدف نفسه وعلى جرعات.

كما أنه إذا كان من حق الدول العربية أن تتسوق بما يتوفر لديها من تعليمات تسمح لها بالتفاوض على شراء سلعة وتقاتل باستماتة للحصول عليها وهي تعلم أنها ليست لها، فمن حق شعوبها هي الأخرى أن تلتفت إلى مصالحها ورغباتها وأن تتفرغ لاحتفالاتها أو في أحسن الأحوال أن تمنع من السؤال عما يجري ناهيك عن التظاهر أو مجرد التعاطف كحد أدنى.

أما بالنسبة للفلسطينيين فمن حق عصبة أوسلو أيضا أن تتمسك بما لديها من سلع تبدو بها فرحة إلى حد النشوة وتستمتع بما تستهلكه منها على طريقة القبلات الحارة والعناق الحميم بين الباعة والمشترين أو عبر فرق الموت والفلتان اليومي وقتل المجاهدين وترصدهم وتسليمهم إلى قوات الاحتلال لحماية المكاسب السلعية أو عبر الاستحواذ على السلع الثمينة كالمؤسسات وأجهزة الأمن ومصادر مالية الخزينة الرئاسية والقرارات والصلاحيات التي لا يمتلكها وليس لأحد حق التصرف بها إلا الرئيس بالرغم من أن الجميع شارك في دفع ثمنها.

هكذا وجد الفلسطينيون أنفسهم منبوذين في سوق لا أحد يريدهم أن يكونوا فيه ولا أحد يريد بيعهم شيء ولا أحد يرغب بسماع سؤال منهم عن ثمن سلعة معينة، بل أن الجميع بلا استثناء يريد منهم الثمن الذي يمتلكون مقابل سلعة واحدة هي القتل والفتك بهم سواء سَلّموا بالثمن أو لم يسلموا به! وهكذا أيضا بات الجميع يرقب الصفقة حتى أن بعض أشد الكتاب اليهود عنصرية لم يتورعوا عن إبداء العجب والاستغراب ليس إنصافا بطبيعة الحال للفلسطينيين بقدر ما هو استهجان للطريقة التي لن تفضي إلى نتيجة تذكر، فقد عبر الكثير منهم عن رأيه بوضوح معتقدين أن إسرائيل لن تستجيب للفلسطينيين حتى لو ظهر فيهم مائة محمود عباس ومائة عميل سياسي لإسرائيل ومائة معتدل يفوق اعتدالهم عشرات المرات ما لعباس ومجموعته، وكلما كان الأمر بهذه الصراحة والوقاحة كلما اشتد قهر الفلسطينيين وازدادت حيرتهم وتساؤلاتهم واتسع البون ما بينهم وبين رئيسهم، فعلامَ العناق والتباكي على عذابات اليهود والتنديد بالإرهاب الفلسطيني وإرهاب الصواريخ وأسر الجندي ومطاردة المجاهدين والمقاومين والمدافعين عن الشعب الفلسطيني وعن أرواحهم وممتلكاتهم وحقهم في الحياة والتخلص من القهر والعذاب اليومي الذي لا يشعر به قط رجال أوسلو الصناديد الذين تبنوا الخطاب الإسرائيلي في حين نبذه بعض اليهود أنفسهم وبعض الأوروبيين وبعض الأمريكيين وكثير من العالم الإسلامي والعربي؟

إنه حقا أمر مفزع ويدعو لأشد حالات العجب والاستغراب. فما هي المعايير والمبادئ التي يؤمن بها هؤلاء والتي لم نشهد لها مثيلا في التاريخ الإنساني كي نقول على الأقل أنه ثمة سابقة يمكن الاسترشاد بها؟ وحتى هذه اللحظة فليأتنا واحد ممن خلق الله وليقل لنا بالضبط ما هي فلسفة الرئيس محمود عباس؟ وما هو برنامجه؟ وما هي خططه لإزالة الاحتلال؟ وما الذي يحتاجه هذا الرجل لنكون معه ونلتف حوله؟ ولماذا لا يعلن الرئيس صراحة أنه لا يؤمن بالمقاومة المسلحة؟ وأنه يعتبرها إرهابا؟ ويعلن أمام الشعب الفلسطيني برنامجا واضحا ومحددا يقول فيه مثلا أننا بصدد التفاوض فقط على كذا وكذا من المسائل وأن سقفنا لا يسمح للشعب الفلسطيني في الظروف الراهنة بتجاوز هذا البرنامج، وأن على الشعب الفلسطيني أن يتوقف عن المقاومة ويستعد لدعم المشروع المقترح سلميا ريثما نرى النتائج، وأنه بدون هذا الدعم فإنه سيضطر إلى اتخاذ إجراءات من بينها الانسحاب من الحياة السياسية مثلا وتسليم الراية لآخرين؟

سنفهم حينها ونتعاطف مع الرئيس على صراحته وجرأته وسنعترف له بصدق حرصه على الشعب الفلسطيني ومصالحه، وسنقول أن الرجل بذل كل جهده فعلا ولكن إرادة الشعب الفلسطيني كانت تسير في اتجاه آخر، وسنغفر حينها للرئيس ولغير الرئيس الزلات والأخطاء السياسية التي لا يخلوا أحد من ارتكابها مهما بلغ من العبقرية والالتزام.

ولكن كيف؟ ولمن نغفر؟ وفخامة الرئيس يتباكى على عذابات اليهود بمناسبة وبدونها ويتناسى عذابات شعبه ودمائه المنهمرة ثم يأتي من يقول لنا أن المجاملات الديبلوماسية تفرض بعض المواقف التي ينبغي أن نتفهمها؟ كيف نتفهم أو نغفر أو نسامح لمن يتبرأ من حمله مسدسا في حياته ويدين المقاومة ويحقر الشهداء ودماءهم؟ كيف يكون مقبولا أن يدخل الرئيس في عناق حميم وقبلات حارة مع رجل دموي في ذات اليوم الذي يفتك فيه في الأطفال والنساء والعائلات؟ هل من المقبول أبدا أن يستحوذ الرئيس على صلاحيات الحكومة بلا منطق قانوني وبلا استشعار للخطر إلا على صلاحياته ورؤاه وقناعاته وسياساته ويلغي قرارات لوزير الداخلية ويمنع على أجهزة الأمن مشاركة إخوانهم في الدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لمذابح يومية وتدمير لبناه التحتية وحصار وعدوان شرس؟ وأن يصر على تبني المطالب الإسرائيلية لفك أسر الجندي المجرم مقابل ضمانات عربية وغير عربية وهو تدخل مذموم ومرفوض ولن يأتي بنتيجة تذكر؟ لأنه ليس من المنطق في شيء على الإطلاق أن يهدد الرئيس بفرض ما أسماه بوثيقة الأسرى ويعترف على الملأ بأنهم أنبل ما في الشعب الفلسطيني ثم يغامر بوعود كاذبة لم ينل هو منها شخصيا شيء يذكر.

إذا كان لدينا عند اليهود أحد عشر ألف أسير وأسيرة من مختلف الفصائل والتنظيمات والعائلات والأبرياء، ومن مختلف الأعمار والسنين فهذا يعني أنه ينبغي أن يكون لدينا أملا على شفير التحقق لنصرة عشرات الآلاف من العائلات والأطفال والنساء والشيوخ والمكلومين والمحرومين ممن ينتظرون السنين الطوال لرؤية نبلائهم وأبطالهم، وأن لدينا معذبين وهم بصدد التحرر من عذاباتهم التي أججها مساكين اليهود.

وأخيرا ليس من حق أي كان أن يسلب الفلسطينيين سلعة اشتروها بالدم، باتت، ويا للسخرية، تساوي الكثير من عذاباتهم ومع ذلك يأتي من بينهم من يسخّر حياته وجهده وضغوطه وتهديداته ليحبط ثمن الدم الزكي وبلا مقابل بحرية مجرم لطالما مارس القتل والتدمير بحق آسريه. ألا يلاحظ مثل هؤلاء أن المغامرة بحرية آلاف الأسرى وبدماء تسقط بالعشرات قبل أسر الجندي وبمجتمع يجري تدمير بنيته التحتية بإجرام عز نظيره وقوى أمنية يُحال بينها وبين المقاومة ويجري جرها لخدمة مصالح العدو التاريخي هو تفريط وجريمة ترتكب بحق الشعب الفلسطيني؟ ألا يلاحظ هؤلاء أن سياساتهم ستدفع الشعب الفلسطيني إلى التفكير في خيارات بديلة تتجاوز كل شروط أسواقهم؟ ألم يحن الوقت ليدرك هؤلاء أن جيش الإسلام القادم من غزة ربما يكون أولى أدوات الانتقام والردع الذي لن يستطيع أحد وقفه إن استمرت سياسات المتاجرة بالقضية الفلسطينية والتلاعب بمصير الشعب الفلسطيني؟

سواء أدركوا أو لم يدركوا وهو الأرجح فلن يغفر لهم الشعب الفلسطيني ولا المتعاطفين معه وهم الذين باتوا يدركوا الآن أن مصيبة هذا الشعب كانت على الدوام في قيادته وصراعاتها وانقسامها بين منحاز للشعب ومنحاز لمصالحه.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت