د. أكرم حجازي
هل من أحد يقول لنا اليوم، من ناحية إدارية، لمن تتبع الإدارة العسكرية التي يقودها الحاج مطلق؟ هل هي لمنظمة التحرير أم للسلطة أم لحركة فتح؟ هل يفسر لنا أحد لماذا يستودع مسؤول شؤون الضباط في الدائرة في أدراج مكتبه دزينة من أقلام الرصاص ومبراة، ويصر على استعمال قلم الرصاص في متابعة شؤون التفريغ وترقين القيود؟ وكم هم الذين يعلمون لماذا يصر مسؤولو الإدارات المالية في مختلف المؤسسات والساحات على حضور صاحب الراتب شخصيا لاستلام راتبه؟ ولماذا يبعثون بين الفينة والأخرى بلجان تفتيش ورقابة مالية إلى الإدارات المالية في الساحات التي يتواجد فيها كادر يقبض راتبا؟ وتحت التهديد بوقف راتب كل من يبعث وكيلا أو نائبا عنه لظروف ما أو يمارس مهنة يعتاش منها لتحسين وضعيته الاقتصادية؟ لعلني تأكدت متأخرا من هذه اللعبة. إنها ما يعرف في أوساط الفتحاويين وغيرهم بـ"الكروت الخضراء"، وهي لعبة انكشفت مؤخرا وكانت السبب في تحويل الرواتب إلى البنوك عبر حساب بنكي ينشئه الشخص المعني بالراتب وليس أحدا غيره.
وقصة الكروت الخضراء بدأت من الإدارة العسكرية بالذات منذ زمن بعيد. فكل فرد جرى تفريغه في الحركة أو غيرها وله رقم مالي يمكن في أية لحظة أن يغادر ويتوقف لسبب ما عن كونه مناضلا أو موظفا متفرغا، وسواء عاد هذا المناضل أو لم يعد يجري ترقين قيده على الفور من قبل مسؤول شؤون الضباط بواسطة قلم الرصاص الذي يمكن التحكم في آثاره في السجلات. ويبقى قيده ساري المفعول، وبطبيعة الحال راتبه مقبوض ولكن من أطراف اللعبة. مثل هؤلاء المناضلين هم الذين سرقت رواتبهم ممن لم يعودوا على كشف الكادر أو أولئك الذين يجري تحويلهم أو انتدابهم لهذه الجهة أو تلك ولا يدرون أنهم يخسرون حقوقهم بالسرقة والسطو وتقاسم الكعكات السمان بين اللصوص من بعض المسؤولين وذوي النفوذ المتورطين. زد على ذلك تفريغ لآلاف الأسماء الوهمية وسرقة رواتبها. وترى هؤلاء اللصوص منكبين ليل نهار على مراقبة حركة التفريغ والترقين للقيود بلا كلل ولا ملل، وحتى لما يعود شخصا إلى عمله بعد شهر أو شهرين أو سنة أو بضعة سنوات ويطالب بحقوقه أو إعادة قيده تجده يتوسل يوميا ويوسط من استطاع إليه سبيلا ليتجاوز عناد من يعتقد أنه بصدد خسارة رقم مالي سمين.
مثل هؤلاء اللصوص لا يأبهون لا لتأخير راتب ولا لقضية يجري حلها أو إرسالها إلى الجحيم، مثلما لا يرف لهم جفن ولا يمتلكون حتى شعورا إنسانيا تجاه ما يفعلونه بالناس وبقضيتهم التي لا تزيد بنظرهم عن استثمار مربح اقتصاديا، أما الموظفون والمتفرغون فمن حقهم أن يقلقوا على قوت عيالهم، فلعل الكثير منهم قد أفنى عمره في المنظمة دون أن ينجح في مهنة يتعيش منها. ولكن المشكلة ليست في تأخر صرف الرواتب إلا ظاهريا، فالذين عايشوا السنوات القليلة التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو يعرفون جيدا أن انقطاع الرواتب آنذاك والخدمات لم يكن بسبب نقصان السيولة أو بسبب الإفلاس أو الضائقة المالية التي كانت تعاني منها منظمة التحرير كما كان يروج آنذاك، لم يكن الأمر كذلك أبدا، ولم تستهدف التعميمات التي صدرت في حينه وعلقت على جدران مكاتب المنظمة وتضمنت تعليمات بعدم صرف تذاكر السفر والتأمين الصحي الذي كان يقتطع من الرواتب وبعدم صرف المهمات والمساعدات والاحتياجات الإنسانية إلا فئة واحدة هي فئة العسكر التي تتحمل العبء الأكبر في كل مناسبة.
فالعسكريون الصغار تحديدا ليس لهم شأن في الأيديولوجيا ولا في المكاتب ولا في الرفاهية ولا في الامتيازات وتعدد الرواتب التي كان يتمتع بها حصرا بعض المصنفين فئات مدنية. ولم يكن العسكريون معنيون ولا مختارون في أن يكونوا كذلك من الممتهنة كرامتهم والمهضومة حقوقهم، بل أن السياسة الفلسطينية قضت في حينه تحطيم الدرع الحصين الذي ما كانت لتتواجد بدونه على الإطلاق كيما تغدو مقبولة للدخول في مفاوضات تسوية بعيدا عما يسميه الأمريكان إرهابا. وهكذا، ففي زمن الحرب يدفع العسكريون الثمن من حياتهم غير آبهين بعواقب ابتزاز ذويهم وأزواجهم كما يدفعونه في زمن السلم من قوتهم وقوت عيالهم وحقوقهم وتهميشهم وإذلالهم وملاحقتهم.
فما ذنب فرد فلسطيني قادته الأقدار والظروف لينضم إلى حركة فتح ثم يجد نفسه بعد حين قد تم تحويله إلى الجيش حيث الإدارة المالية مسؤولة عنه، ثم في زمن كهذا الذي نعيش يجري التنكر له باعتباره من الجيش فتدفع رواتب فتح ولا يدفع راتبه بحجة أنه تابع للجيش وتابع للسلطة؟ وقديما كانوا يتندرون على الامتيازات الممنوحة لهذا دون ذاك داخل حركة فتح فيقولون يوجد فتح وفتحية في الحركة. واليوم يعيرون حركة حماس بأن عناصرها قبضت رواتبها فيما أفراد السلطة بلا رواتب. والحقيقة أنه من حق حماس أن تصرف لأعضائها رواتبهم وليس من حق فتح أن تتنصل من عناصرها بحجة أنهم موظفي سلطة. فلماذا لا تدفع فتح رواتب لأعضائها وتتعلل بأنهم موظفي سلطة؟
من هوذا الذي سيصدق أن الدول المانحة تحاصر الحكومة في الوقت الذي تهيمن فيه منظمة التحرير وعلى رأسها حركة فتح على مقدرات الشعب الفلسطيني من أموال واستثمارات في شتى أنحاء العالم. ومن الذي سيصدق أن الدول المانحة كانت تدفع رواتب فتح والجيش والصندوق القومي قبل أوسلو. ومن الذي سيصدق أن المنظمة والسلطة أفلستا ويتعامى عن السرقات وهدر المال العام على مستوى الأفراد والقيادات والمؤسسات لأزيد من عشر سنوات وبعدة مليارات من الدولارات؟ ومن سيصدق أن السرقة توقفت بعد هزيمة فتح بالانتخابات في حين يقر أحد المسؤولين الفلسطينيين عن قطاع التأمين الصحي في دولة عربية أنه تعرض من مسؤول مؤسسة مالية فلسطينية لابتزاز قيمته 260 ألف دينار من أصل 400 ألف مخصصة للتأمين الصحي؟
يبقى القول الفصل في مسألة الرواتب. فمن الصحيح أن المعاناة تطال مئات آلاف العائلات الفلسطينية، وأن تقزيم القضية الفلسطينية إلى مستوى راتب هو مسؤولية اللصوص الذين سرقوا أموال الشعب الفلسطيني ومسؤولية حركة حماس التي دخلت مستنقعا قذرا بات يساومها على القضية برمتها. المشكلة ليس في توقف المساعدات عن الشعب الفلسطيني وهي حق رغم أنف كل المورطين في مأساة الشعب الفلسطيني وليست منة ولا تسولا، المشكلة تكمن في إجابة الفلسطينيين على السؤال التالي:
هل الاعتراف بإسرائيل والقبول بالاتفاقات الموقعة معها ونزع السلاح يلبي رغبة المجتمع الدولي اللعين ويحقق الحقوق الفلسطينية؟ أم يعني ببساطة أن يستعد الفلسطينيون أينما كانوا لخلع سراويلهم والوقوف عراة ليس لهم أي حق إلا انتظار كاميرات التصوير العالمية كي تأخذ لهم صورا تذكارية تماما كما فعلت إسرائيل بسجناء أريحا وكما تفعل حين تعتقل أحد المقاومين؟ وهل ثمة، بعد ذلك، للحديث بقية؟ فسحقا لمن اختار الراتب على كرامته وعقيدته وقضيته.
نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009