خروج بريطانيا
«دقت ساعة الانفصال عن أوروبا!»
د. أكرم حجازي
«القومية» هي كلمة السر في ظهور «الدولة القومية في العالم، وهي كلمة السر في بناء «النظام الدولي» الذي نعرفه منذ نحو مائة عام خلت، وهي كلمة السر في تفكيك «الدولة الإمبراطورية الممتدة» في العالم، وفي أوروبا على وجه الخصوص، وهي كلمة السر في تفكيك «العالم الإسلامي» ، ومصادرة «سلطان الخلافة» ، وهي كلمة السر أيضا في جمع شتات «القوميات الأوروبية» !!!! «القومية» ! هي كلمة السر أيضا في «الخروج البريطاني - 24/ 6/2016» من الاتحاد الأوروبي.
تناقضات عجيبة، وتغيرات رهيبة، أنتجها «الفكر القومي الأوروبي» الذي انطلق في أوائل أربعينات القرن 19، قبل نحو 175 عاما، وغدت أوروبا بموجبه مسرحا لحروب أهلية ودولية لم تتوقف وقائعها إلا بعد حربين عالميتين، وقنابل ذرية، قتلت عشرات الملايين من البشر.
لطالما أشرنا إلى حاجة أوروبا إلى «الدولة القومية» ، باعتبارها الوحدة السياسية المركزية التي سيبنى عليها النظام الدولي. ولطالما أشرنا في مناسبات سابقة أن اكتشاف أوروبا للمادة وقدرتها على السيطرة عليها والتحكم بها مكنها من الدخول في العصر الصناعي، وما يتطلبه من ثروات وموارد، تحتويها الأرض .. مقدمات؛ كانت تعني، في المبدأ والمنتهى، أن أوروبا لا بد وأن تخرج من حدودها غازية، لجلب من تحتاجه من رأسمال. هكذا، وفي غمرة الصعود الرأسمالي ظهر «الفكر القومي الأوروبي» ، وتمخض عن ولادة «الدولة القومية» في أوروبا، والعالم.
ولطالما تباهت أوروبا وقطعان اللبرالية بـ «الدولة القومية» وهي تقوم على قيم كبرى كـ (1) الحرية، و (2) العدالة، و (3) المساواة، و (4) التسامح، و (5) إرادة العيش المشترك، و (6) التنوع، و (7) التعددية. ولطالما تباهى معها العلمانيون والأيديولوجيون، ومن صاروا يفضلون أن ينعتوا بـ «القوميين» بالنموذج الأوروبي للدولة، باعتباره النموذج الأسمى في تعبيره عن حقوق الإنسان والتقدم والازدهار والرفاهية. والنموذج الذي بموجبه توحدت إيطاليا أو ألمانيا على يد جاريبالدي وروزا لوكسمبورغ!!! لكن قلة من تساءلوا حقا: ما الذي يعنيه، مثلا، مبدأ «إرادة العيش المشترك» ؟ ولماذا قامت «الدولة القومية» على مثل هذا المبدأ؟ وأقل من القلة همسوا في ثنايا هذا المبدأ بأن مقتل «الدولة القومية» يكمن فيه أكثر مما يكمن في غيره من القيم التي قامت عليها.