فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 167

غريبا، وسط تصعيد أمني يتجاوز كل المنظومات الحقوقية التي يؤمن بها أو يتحدث عنها، أن نجد مثلا أن أكثر ما استطاع النظام الدولي فعله هو الدعوة إلى «مكافحة الإرهاب» أو تشكيل «التحالفات الدولية» ، وكلها فشلت في مواجهة العجز.

لكن المشكلة التي تواجه النظام الدولي أيضا، فيما يتعلق بإعادة بناء النظام الإقليمي، تقع في مستوى «الدولة القومية» ذاتها. إذ يستحيل، مثلا، التفكير بأمن أو استقرار المنطقة، بناء على التوزيع الديمغرافي السابق على احتلال العراق أو الثورة السورية. ولعل أوضح الخيارات الجاري العمل بها واقعيا، إذا ما استبعدنا التقسيم على سبيل المثال، وبقيت «الدولة القومية» ، كما هي بحدودها السياسية التقليدية، هي تلك التي تجتهد وتحث الخطى على ربط المجتمع بروابط ديمغرافية متينة، تحول دون تفكك المجتمع والدولة لعقود قادمة. أما كيف؟ فذلك يتم عبر إعادة التوزيع الديمغرافي للأقليات والطوائف، وتوطينها بما يسمح لكل طائفة أو أقلية في الدفاع عن نفسها، بحيث تبدو مناطق التوطين الجديدة عصية على السقوط، وذات مصلحة في استمرار النظام. فالنصيرية مثلا، كالدرزية والشيعة والنصرانية و ... تنحسر في مناطق قابلة للحياة والاستمرار. بحيث يمكنها أن تعيش محصنة بعيدا عن أغلبية يمكن في لحظة ما من الزمن أن تبتلعها.

يحدث كل هذا وأعظم منه؛ بينما العالم الإسلامي والعرب، على الخصوص، لا يتحدثون إلا عن الأمن والاستقرار! وكأن ما يجري لا يمسهم، ولا علاقة لهم به! هكذا كانوا عشية «سايكس - بيكو» ، قبل مائة عام، خارج الفعل والحسابات .. وهكذا هم الآن!!! وحدهم الأتراك، الذين باتوا يدركون الأمر، ويتحدثون، كإطار رسمي، عن مشاريع التقسيم المنتظرة، وإعادة بناء النظام الدولي .. يتحدثون؛ مع أنهم كغيرهم تحت السكين، فيما يبدو الآخرون كما لو أنهم بانتظار السكين طوعا أو كتحصيل حاصل!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت