د. أكرم حجازي
يبدو أن قدر الفلسطينيين أن يواجهوا العالم وليس إسرائيل فقط ولا أمريكا ولا عملائها، فقد صار لزاما عليهم أن يواجهوا كل ما هو غير فلسطيني لأن معادلة الصراع التي تفرض عليهم ويقبل بها الجميع دون استثناء تقضي بسحق الضحية على الدوام، نقول هذا ونحن نستعجب من الوساطة المصرية المحمومة والساعية لفك أسر الجندي الإسرائيلي بلا ثمن. وحقيقة لا ندري ما الذي سيجنيه فخامة الرئيس حسني مبارك من التهديد بفرض عقوبات على قطاع غزة إن لم يطلق سراح الجندي دون قيد أو شرط، ولا ندري بأي منطق وأية عقلية يوجه الرئيس المصري تهديداته للفلسطينيين وكأنهم ملك يمينه يتلاعب بهم كيفما يشاء ووقتما يشاء. ولم نعد ندري كيف نفصل بين مطالب الرئيس من تهديدات هي ذاتها التي نسمعها من أولمرت ومن جنرالات وساسة الدولة المتعجرفة.
فعلى حد علمي وعلم الجهلاء أن إسرائيل دولة عدوة ودخيلة وشاذة في المنطقة حتى لو بلغت من العمر عتيا، وهي دولة قتل وقرصنة وإجرام ومذابح منذ نشأت وإلى أن تزول، وهي دولة خارجة عن القانون والأخلاق الإنسانية، وهي دولة يتلذذ قادتها وسكانها فيما يرتكبوه من قتل وجرائم إلى حد النشوة التي لا يرتوون منها ولا يكتفون، وهي دولة عدوانية وشريرة وتمثل رأس الشر والأخطر على العالم، وهي دولة تخاف وتعيش في الخوف والرعب ولا تستحي لأنها تمارس شتى أنواع السقوط والشذوذ الإنساني، وهي دولة لا تعرف أي معنى للتعايش أو الجوار الإنساني، وهي دولة منحرفة ومتغطرسة حتى النخاع، وهي دولة قتلت وشردت واعتقلت شعب بأسره ولفقت وكذبت وزورت في الحقيقة والتاريخ والبايولوجيا والدين وحتى في كيمياء البشر.
أما نحن فشعب مغتصب ومحتل ومحاصر ومعتدى عليه وعلى حقوقه وحرماته ونفسه وممتلكاته وأرضه، وعشرات الآلاف من أبنائه أسرى منذ عشرات السنين، ونحن شعب يتعرض لظلم وقهر يومي ولحظي لم تتعرض له أمة على وجه الأرض، ونحن شعب يخوض مقاومة وجهادا شرعيا باعتراف العالم أجمع ويقبل بموازين قوى مختلة دون أن يقف معه أحد أو يساعده أحد، ونحن شعب يئس من انتظار العون والمدد الذي يعد يعني لنا الكثير بعد عشرات السنين من الانتظار الأجوف، ونحن شعب لم ولن نتخل عن أهدافنا وطموحاتنا طال الزمن أم قصر، ونحن شعب استعصى على الكسر أو الترويض.
فلماذا تطلبون منا تسليم الجندي الأسير بلا مقابل؟ هل هو الحرص على المصالح العليا للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية والتي تستدعي محاصرة الموقف كما تقولون عادة؟ أم هي المصالح الشخصية؟ هل هي الخشية على ما تسمونه عملية السلام التي ضيعت حقوق الشعب الفلسطيني وحولتها إلى راتب محجوز في بنوك بلا سيادة؟ أم هي مساعداتكم وعونكم الثابت للشعب الفلسطيني وحكومته التي رعيتموها واستقبلتموها في بلاطكم الجمهوري، والذين يتوجب عليهم أن يردوا الجميل في الاستماع لنداءاتكم ونصائحكم؟ ما الذي فعلتموه يا سيادة الرئيس للشعب الفلسطيني وهو يقتل ويحاصر في بيروت أو جنين أو نابلس أو صبرا وشاتيلا أو غزة أو المقاطعة لما كان رئيسه المغدور بالسم محاصرا بين الجدران؟ ما الذي فعلتموه لما كنتم تمنحون الفلسطينيين في غزة وثائق سفر لسكانها إذا خرجوا من غزة بتصريح من دوائركم الأمنية لا يستطيعون العودة إلى بلدهم إلا بتأشيرة عودة غالبا ما تتسبب في خسارتهم حق العودة إلى بنيهم وأهلهم، ويضطرون للعيش كلاجئين؟ وكيف تهددون حكومة منتخبة للشعب الفلسطيني بالاستجابة لتهديداتكم وقد تخليتم عنها منذ لحظة تشكيلها وعملتم بكل جهد على إسقاطها؟ وهي للحق مثل غيرها لا تملك أدنى معلومة عن مصير الجندي ولا تملك أدنى الصلاحيات لا في تحريره ولا في أسره، فهذا من شأن الأجنحة العسكرية، إن لم يكن من شأن أفراد لا تسيطر عليهم حتى قيادة هذه الأجنحة.
يا سيادة الرئيس
إن عملية الوهم المتبدد كثيرة المعاني، ومع أنها لا تهمك بقدر ما تقض مضجعك ومضاجع الآخرين، ولكني مصر على التذكير بهذه المعاني فلعل الذكرى تنفع المؤمنين:
• إن العملية النوعية استطاعت حشد الجيش الإسرائيلي برمته وبكل ترساناته الحربية ضد الفلسطينيين وهو ما لم تحشده إسرائيل لأية دولة عربية بما فيها مصر، فكيف يا سيادة الرئيس لو كان لدينا جنديان أو عدة جود؟ فهل ستضطر إسرائيل لاحتلال سوريا أو مصر لتستعيد كرامتها؟
• ألا تعلم يا سيادة الرئيس أننا في حرب ولسنا في نزهة ولا استقرار ولا تنمية وليس لدينا بعد طموحات نحلم بها كما تحلم أنت؟ وأننا في قلب المواجهة شئت أم أبيت، وأن أحدا لم يساعدنا على التحرر والانعتاق ولا على نصرتنا؟ وأن العملية فرضت منطق مواجهة متطور جدا عما سبق لدرجة أن الجيش الإسرائيلي وقادة إسرائيل شعروا بالذل والخزي من وقع الضربة، ولو تنظر إلى وجوههم على الفضائيات لعرفت حجم الورطة التي وقعوا فيها، فهل يعقل أن يخرج منا من ينجدهم؟
• ألا تعلم يا سيادة الرئيس أن المسألة إنسانية بحتة وهم الذين حولوها إلى جهنم بغطرستهم وجنونهم، وأن لنا أكثر من عشرة آلاف أسير لديهم بينهم الرجال والشيوخ والنساء والأطفال ولم تستطع يا سيادة الرئيس لا أنت ولا غيرك أن يفرج عن أحدهم بلا مقابل، وبعض الأسرى قارب على الثلاثين عاما وهو حبيس حكومات إسرائيل المتعاقبة؟ وأن لهؤلاء عائلات وأطفال يتحرقون شوقا لملاقاة ذويهم لا تعرفه ولا تشعر به؟ فإذا لم تكن قد نجحت في تحرير أحدهم فلماذا تستكثر على أهلهم وذويهم تحريرهم وتهدد بفرض عقوبات عليهم إن لم يطلقوا سراح الجندي؟ فأي منطق أعوج يقبل بما تقترح؟ وأي غبي فلسطيني عليه أن يصدق بأن إسرائيل ستفي يوما بوعد قطعته ورب العزة من فوق سبع سماوات يخبرنا بأنهم كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم؟ فمن نصدق؟ سيادتكم أم رب العزة؟
• ألا تعلم يا سيادة الرئيس أن الجندي بات بالنسبة لنا يساوي كل حشود الجيش الإسرائيلي والاستنفار العالمي والاتصالات الدولية والإقليمية والضغوط والتهديدات والقصف اليومي والقتل والتدمير والخطف والحصار الظالم وتحقير القضية الفلسطينية وإذلال الشعب الفلسطيني وتجويعه وتدمير بناه التحتية، وأن الإفراج عنه بالشروط الفلسطينية سيعني تحريرا لأسرانا وبداية لفك الحصار وتنظيف للساحة من العملاء والخونة وتحصين للشعب الفلسطيني وضخ دماء جديدة من عتاة المناضلين في جسده من حكومة وأمن ومؤسسات وتنظيمات وقيادات ووضع حد للعربدة والفلتان وتحطيم لآمال المتربصين بالشعب الفلسطيني ممن اعتقدوا أن الفرصة حانت للإجهاز على المقاومة؟ أخشى يا سيادة الرئيس أنك تخشى من ذلك.
• ألا تعلم يا سيادة الرئيس أنه آن الأوان لكي تكفوا عن الاستخفاف بالشعب الفلسطيني الذي تمرس على المقاومة واحترف المهنة واعتاد على الأكاذيب؟ وأن القادم أعظم وأن هناك أمة من المحيط إلى الخليج تفكر بغير ما تفكرون به وبطريقة تختلف عن طريقتكم؟ أكثير علينا أن نسترجع بجهودنا دون مساعدتكم بعض أحبائنا من الأبناء والبنات والأطفال من بين براثن المجرمين؟ أم أن الجندي المدجج بالسلاح وفي وسط دبابته أحق بالحرية من أسرانا؟
• يؤسفنا أن نقول أنه منذ توليتم يا سيادة الرئيس مسؤولية الدولة في مصر والأمة العربية برمتها تسير من كارثة إلى كارثة، ولو كان الأمر غير ذلك لما وصل الفلسطينيون إلى ما يعانوه من كوارث. فما الذي فعلتموه للفلسطينيين غير تمرير المطالب الأمريكية والإسرائيلية وفرضها عليهم كلما امتلكوا المبادرة تحت طائلة التهديد والوعيد؟ ولما يكون الأمر كذلك فلنا الحق بأن نقول بملء الفم أن عقلية تمام يا افندم التي تجهدون لفرضها على الفلسطينيين ليست منا ولا تنطبق علينا ولا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد.
نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009