فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 167

د. أكرم حجازي

أدرك الرئيس الفلسطيني الراحل متأخرا خطيئة اتفاق أوسلو وآثاره المدمرة على القضية الفلسطينية ومستقبلها، وأدرك أن الأفاقين وأصدقاء أمريكا وإسرائيل والنمامون والكذابون والمخمورون الذين قربهم منه لغاية في نفس يعقوب، لم نوافقه عليها، غدوا يتطاولون عليه ويتآمرون على خلافته جهارا نهارا، وأدرك في الأيام الأخيرة أنه بات في حكم المؤكد أنه سيدفع حياته ثمنا لهذا الاتفاق، وظل يعاني من الندم والمرض والقهر حتى قضى. أما عتاة أوسلو فلهم تصوراتهم التي لا ترى في الاتفاق ونتائجه الكارثية إلا إنجازات وطنية تحققت وينبغي الحفاظ عليها. فالسلطة الوطنية وفتح المزيد من السفارات وعودة عشرات الآلاف والدعم الدولي المادي هي إنجازات، أما ما حصل عليه الطرف الآخر كالاعتراف به وإدانة الإرهاب (= الكفاح المسلح) والاعتراف بأراض متنازع عليها وليس بأراض محتلة وبحكم ذاتي وليس استقلالا فليس بإنجازات، ناهيك عن ترحيل ملفات القضية برمتها إلى الحل النهائي الذي لم ولن يرى النور بعقلية رواد أوسلو. فهل من العدل أن تكون كل إنجازات أوسلو الفلسطينية قاصرة عن معادلة إنجاز إسرائيلي واحد؟

ولا أدري بأي حق يخرج هؤلاء على الفضائيات ويصدروا التصريحات المهينة والتحريضية ويبثوا سمومهم هنا وهناك وقد سقطوا في الانتخابات التشريعية غير مأسوف عليهم، سقطوا من المجتمع الذي لفظهم ومن داخل فتح التي أتيح لقواعدها للمرة الأولى أن تقول كلمتها بـ"لا"اجتماعية كبيرة وحتى تنظيمية لهم. ولأنهم فشلوا وفوجئوا بالهزيمة اتفقوا باستهزاء وخبث مبيت على أنهم سيكونون معارضة بناءة إلى جانب حكومة تشكلها حماس على أمل أن تسقط وحدها، ولكنهم لم يستطيعوا أن يلزموا أنفسهم بما صرحوا به ولم يحتملوا حتى جلسة واحدة في التشريعي لأنهم لا يتصورون وليس بمقدورهم أن يتخيلوا مكانتهم خارج سلطة هم صنعوها وتربعوا على عرشها القذر والمنحط سنوات طوال. فهي ملك لهم وحدهم وليس لحماس ولا للشعب الفلسطيني.

لم يستطيعوا أن يحردوا في مقراتهم أو بيوتهم كما كانوا يفعلون في المجلس الوطني أو المركزي أو في مؤتمر الحركة بانتظار مواكب النفاق لمراضاتهم وتطييب خواطرهم، لذا فقد انبروا يتحدثون بكثير من الهستيريا لا يلوون على شيء إلا إسقاط حكومة هم خارجها لكي يتسلموها ثانية، فالشعب علماني وحماس متشددة! فاقترح أحدهم حل السلطة، ثم قالوا على حماس أن تعترف بإسرائيل وإلا ستصبح خارج القانون الدولي، وعليها الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي، وبرنامج الحكومة يصلح للمهرجانات والخطابات ولا ينفع في السياسة، وهو برنامج كثير الوعود وفقير في السياسة، والحكومة ليس لها خبرة، وهؤلاء يديرون مدرسة ويعاملوننا كتلاميذ ... ثم شرعوا في تجريد الحكومة من صلاحياتها، ووضعوا المعابر تحت سيطرة الرئيس وقيل أنهم أنشأوا حكومة ظل، وبعد أن صرح الرئيس بأنه سيعطيهم حق الإشراف على أجهزة الأمن كما كان يطالب سلفه بذلك تراجع ووضع أجهزة الأمن تحت سيطرته، ثم أخذوا يتحدثون عن خزينة السلطة وحزينة الرئيس، وعن خطورة ازدواجية السلطة في غزة، وها نحن نسمع حديثا عن صلاحيات تسمح بإقالة الحكومة، وعن خطة سرية لإسقاط الحكومة في شهر آب القادم.

أما أمريكا وإسرائيل فقد أعلنتا رفضهما التعامل مع حكومة هنية وأوقفتا التمويل وتحويل المبالغ الفلسطينية المستحقة من الضرائب وحرضتا وهددتا البنوك من مغبة التعامل مع السلطة، وحتى بعض الدول العربية خضعت للتهديدات الأمريكية وامتنعت عن استقبال وزراء الحكومة، ولم تعد تعرف الحكومة من هو الصديق ولا من هو العدو، فالكل بات في سلة الضغوط والمماحكات والمماطلات.

وما يبعث على القرف أن يخرج علينا أحدهم أو بعضهم ويشرع بإعطاء التعليمات والتوصيات للحكومة ليدعوها إلى الكف عن التذمر والتأفف وأن تلتفت إلى مسؤولياتها وواجباتها وتعمل على تخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني، وأن تفتح ملفات الفساد ... ، وكفاها الحديث عن سرقة الكراسي والكنبايات والشاي والزيت والزعتر. هكذا هي حماس وهكذا ينبغي أن تظهر أمام العالم وها هو رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل يتحول بين ليلة وضحاها إلى"مشعل فتنة"، وكأنها زمرة معتوهين أو مجانين أو قاصرين بينما هم المسؤولين الذين يتمتعون بالنباهة والعقلانية ويفكرون بمنطق مصالح الأمة والشعب وليس كازينوهات القمار والفساد والإفساد والطغيان.

إذا كان ما قاله خالد مشعل في دمشق خطأ وأثار حفيظة عتاة أوسلو ورأوا فيها فرصة لصب الزيت على النار فلأن كل الوقائع على الأرض وكل التصريحات والإجراءات والعراقيل والحصار المضروب على الحكومة والحرب المعلنة عليها بتصريحات وأخبار وضيعة تشير بما لا يدع مجالا لأي شك إلى مؤامرة فاضحة وصارخة وظالمة لإسقاط الحكومة بأي ثمن حتى لو كان منحطا، وهؤلاء العتاة لا يريدون أن يستسلموا وينزووا قبل أن يدمروا ما تبقى للشعب الفلسطيني، فلم يعد يكفيهم أنهم أعادوا النضال الفلسطيني إلى خانة الصفر، وقدموا الشعب الفلسطيني حقيرا ذليلا مهانا جائعا يتصارع على الرواتب ومستعد لدخول حرب أهلية وتكسير الجامعات والانتفاض على نفسه وبعضه، بل يجاهرون ويضغطون ويحاصرون ويطالبون بفجاجة بالاعتراف بإسرائيل وبدون أي مقابل إلا أن يصبحوا مقبولين من الطرف الآخر.

سؤال بسيط: لماذا لا يريد أن يشعر هؤلاء العتاة بالذنب والمسؤولية، ويعترفوا بأنهم ورطوا الشعب الفلسطيني وأجياله وحتى الشعوب العربية باعتراف بغيض بات كالسيف المسلط على الأعناق؟ لماذا لا يريد أن يشعر هؤلاء على الأقل بأنهم قدموا اعترافا مجانيا لم يتمخض عنه لا اعتراف بالشعب الفلسطيني ولا بحقوقه ولا بإزالة احتلال؟

لقد سألت محطة CNN الأمريكية السيد محمود الزهار عن الاعتراف بإسرائيل، فأجابهم: عن أية إسرائيل تتحدثون؟ وهل ثمة حدود لهذه الدولة كي نعترف بها؟ هل هي إسرائيل التقسيم حسب القرار 181؟ أم هي إسرائيل 1967؟ أم هي إسرائيل أوسلو؟ أم هي إسرائيل خارطة الطريق؟ أم هي خطة شارون - أولمرت؟ أم هي إسرائيل المبادرة العربية؟ ألم تخطر ببالكم هذه الأسئلة قبل أن تقدموا لإسرائيل اعترافا كانت تتوسله؟ ولماذا تبدون كل هذا الحرص على وجوب اعتراف حماس بإسرائيل؟

هكذا إذن بات موال الاعتراف بإسرائيل هو الكرامة والشهامة والأهلية والكفاءة والهيام والغرام والإنجازات الكبرى والتوافق مع المجتمع الدولي والانفراج، ودونه تجويع للشعب وعداء للمجتمع الدولي وخسارة للمنجزات التي تحققت بفضل أوسلو. فهل يعتقد هؤلاء أن برنامجهم هذا يمكن أن يسقط حماس ويعيدهم ببساطة إلى السلطة وكان شيء لم يكن؟ لماذا لا يتوقعون نتيجة أسوأ؟ أم أنهم من ذوي القربى؟

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت