ويعرض لمظاهر التمكين
د. أكرم حجازي
بخلاف خطاب الظواهري الغاضب تميز الحطاب الأول لأبي عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية والذي حمل عنوان"جاء الحق وزهق الباطل"بالتطمين عبر سلسلة من البشائر ركزت بالدرجة الأساس على ما يعتبره المجاهدون مظاهر شوكة التمكين. ولفهم هذه المسألة بدقة كما هي لدى الفكر السلفي الجهادي، فالتمكين مرحلة تلي مرحلة شوكة النكاية والإنهاك، ومثلما أنه من غير المسموح في خضم النكاية مجرد التفكير في السياسة والعمل السياسي ناهيك عن التفاوض والبحث عن حلول سياسية قبل إعمال النكاية في العدو فإن التمكين يعني عدم التفكير بالمصالحة مع العدو أو التهادن معه بقدر ما يعني أيضا القدرة على الثبات وفرض الشروط عليه. لهذا يبدو خطاب البغدادي متسقا مع دعوته للأمريكيين بالانسحاب وفق شروطه وليس وفق شروط العدو. فهو يتعامل معهم بصيغة الأمر الصارم، وهي صيغة غير مألوفة البتة لأجيال اليوم سيما وأنها تستعيد مفردات الصراع التاريخي بين الدولة الإسلامية وخصومها منذ العهد النبوي. ولا شك أنها إحدى البشائر التي يرفعها البغدادي للأمة كي تدرك كيفية التعامل مع أعدائها إن هي أرادت الانتصار عليهم والتحرر من القوى المعادية والغازية لبلادهم.
ومن جهة أخرى فهو إذ يرفض التفاوض مع الأمريكيين، ويستخدم صيغة الأمر في التعامل معهم، ويتحدى أصدقاءهم ومن يزعم أنه يمثل الوضع في العراق أن يوقف إطلاق النار لمدة شهر ولو في محافظة واحدة يعلن في الوقت ذاته عن بدء مواجهة واسعة ضدهم عبر"غزوة الشدة على جند الصليب والردة"تبدأ مع أول يوم من شهر ذي الحجة وتنتهي في آخر يوم من أيام العيد، ومن المثير فعلا أن يعرض البغدادي مبادرة لسحب القوات الأمريكية من العراق خلال شهر على أن يقع الرد على المبادرة من الجانب الأمريكي بعد نهاية الغزوة المعلنة! وكأنه يريد القول: أنه من غير المسموح للأمريكيين أن يفكروا بالرد إلا عبر تلقيهم الضربات.
وكنا قد تابعنا صدور بعض البيانات عن القوى الإسلامية المجاهدة وهي تعلن مبايعتها للبغدادي وتأييدها لدولة العراق الإسلامية مستجيبة لنداء أبي حمزة المهاجر في خطابه السابق"إن الحكم إلا لله". وكانت ردود الفعل في المنتديات تتسم بنفاذ الصبر تارة واستعمال تعابير الشدة والغلظة ضد القوى المجاهدة من الجيش الإسلامي وحتى كتائب العشرين فيما كان البعض الآخر يتسم بنوع من الصبر والحكمة والدعوة لهم بالهدى والرشد حتى أن أحدهم كتب يقول بأن نهاية هذه القوى ستكون في الانضمام إلى الدولة، وهو ما يؤكده إلى حد كبير خطاب البغدادي حين يعلن عن انضمام"أكثر من ثلاثة عشر فصيلا وجماعة جهادية تحت راية واحدة .. وعن بيعة عشرات الكتائب وآلاف المقاتلين من إخواننا في جيش المجاهدين والجيش الإسلامي وثورة العشرين وأنصار السنة وغيرهم .. وذلك في الفلوجة والكرمة والعامرية والرمادي والغربية والطارمية والصينية وتكريت وسامراء وبعقوبة والعظيم .. ثم في الموصل وكركوك وتلعفر وببغداد الحبيبة .. وأن يسارع نحو 70% من شيوخ عشائر أهل السنة في بلاد الرافدين .. إلى الدخول في حلف المطيبين .. ومباركة بيعة دولة الإسلام والمسلمين".
وإذا كانت مثل هذه الأنباء كافية لإثارة الفزع في صفوف القوى المناهضة فكيف يكون الأمر لما يتحدث البغدادي عن مظاهر تمكين حقيقية تتمثل في"بدء تطبيق الشريعة في كثير من أجزاء تلك الدولة المباركة .. وبطلب وإلحاح من أهلنا أنفسهم .."؟ بل كيف يكون الأمر وهو يتحدث عن بدايات إنشاء مؤسسات ذات طابع مدني مهمتها الاضطلاع بتسيير شؤون الدولة والسكان وليس بهدف مقارعة العدوان وهو أمر من اختصاص الجيش الذي يتضخم حجمه يوما بعد يوم.
ففي الخطاب يرد البغدادي على من يزعم"عدم صدق من قال إنه لا شوكة ولا منعة"للدولة، باستحداث مناصب القضاء وتطبيق لأحكامه وإقامة للحدود وفض للمنازعات بين الناس، كما نقرأ عن قوى شرطية مهمتها ملاحقة البغاة والعصاة وقطاع الطرق والمجرمين وأهل الفساد، ونقرأ عن تعيين عمال لجمع"الزكاة ولجباية الفيء والصدقات .. في أغلب مناطق الدولة الإسلامية .."، كما يتحدث عن تشكيل مجالس شورى موسعة تتمثل فيها العشائر الكبرى والجماعات المجاهدة بالتساوي مهما كان حجم الجماعة ومجالس أخرى مضيقة للبت في الأمور العاجلة.
كما أن الحديث يجري عن سيطرة واسعة النطاق على الأرض فيما عدا بغداد التي برر عدم السيطرة عليها بظروف يبدو أن الوقت لم يحن بعد لذكرها وليس لضعف، وفي هذا الصدد نقتبس العبارة التالية من الخطاب بسبب دقتها:"أما في بغداد فيعلم القاصي والداني أن أبناء الدولة هم جنود الله الذين صدوا وقطعوا أيادي المجوس الماكرة ومنذ زمن بعيد وما يمنعنا من الاستلام الكامل لزمام الأمور إلا أسباب ليس هذا موضعها .. وسيذهبها الله قريبا بحوله وقوته". وفي هذا السياق من الأهمية بمكان التذكير بخطاب المتحدث باسم دولة العراق والذي يتحدث عما يمكن اعتباره معركة فاصلة مع المشروع الصفوي في بغداد قريبا.
ومن البشائر التي سيكون لها أثر كبير على الدولة فهي تلك المتعلقة باستيعاب بعض الفئات العسكرية في الجيش العراقي، فبغرض الالتفاف على حكومة المالكي ونوايا الأمريكيين في محاولاتهم استقطاب عناصر الجيش السابق قدم البغدادي مبادرة أولية تخص فئة الضباط من رتبة ملازم إلى رائد كي يلتحقوا بالدولة مع توفير كل ما يلزمهم للعيش الكريم بشروط قَلّ من يرفضها إن هو شاء الاحتفاظ بدينه وكرامته والتأمين على حياته. ولأن القاعدة بلسان المهاجر كانت قد دعت أهل الاختصاص والخبراء والعلماء للانضمام إليها وتفريغ طاقاتهم العلمية في أعدائهم وتلبية طموحاتهم فنحسب أن هذه المبادرة قد تعيد خلط الأوراق من جديد في العراق لجهة المزيد من النكاية والمزيد من التمكين.
بقي أن نقول على هامش خطاب الظواهري وخطاب البغدادي أن كلاهما استعمل عبارة"حفظه الله"حين ذكره لأسامة بن لادن، بل أن البغدادي وصفه بشيخ المجاهدين، ولعلها لفتة تطمين محسوبة بدقة بالغة من كليهما بعد زوبعة الأنباء التي تحدثت عن وفاته.
نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009