د. أكرم حجازي
كنت قد كتبت مقالا قبل أيام بعنوان"مواصفات معارضة بناءة!"، جمعت فيه سلسلة من التصريحات التي جادت بها قريحة من زعموا أنهم سيكونون معارضة بناءة للحكومة التي ستشكلها حركة حماس بعد فوزها بأغلبية المقاعد في المجلس التشريعي مع اعتذار هؤلاء عن المشاركة في حكومة وحدة وطنية. ولكن وبالدليل القاطع ومن أفواههم تبنوا صيغة الهدم التام وبأي ثمن كان للحكومة القادمة، وقد لفت انتباهي، كمراقب للوضع، قبل بضعة أيام، حادثتين طريفتين تستحقان التأمل بمرارة لأنهما تكشفان عن ثقافة البيادق السافرة التي نعيشها في هذا الردح المهين للزمن الفلسطيني وليس فقط عن مجرد بيادق تعمل هنا وهناك بأوامر وتعليمات وإيحاءات من اللاعبين:
الأولى: عندما أعلن وزير الداخلية سعيد صيام عن تشكيل قوة مساندة للشرطة في قطاع غزة لضبط الفلتان الأمني، وتعيين جمال أبو سمهدانة مراقبا عاما لها في وزارة الداخلية.
الثانية: إعلان مجموعات من حركة فتح عن تشكيل قوة مساندة للشرطة قوامها 2500 مقاتل انتشرت في مدينة جنين وسط تصريحات بزيادة عدد أفراد القوة إلى 25 ألف مقاتل جاهزة للتدخل السريع في كامل أنحاء الضفة الغربية ولحماية منظمة التحرير!
في الحالة الأولى قامت الدنيا ولم تقعدعلى الداخلية وعلى وزيرها وعلى القوة وأفرادها وأهدافها ونواياها، وقد أحصيت أكثر من أربعين تصريحا على تشكيل القوة وتعيين مراقب عام لوزارة الداخلية بدء من الرئيس وانتهاء بأصغر ناطق إعلامي أو سياسي، وكلها تندد وتتوعد وتحذر من القوة التي ستكون بديلا عن الأجهزة الأمنية أو سلطة موازية غير شرعية للسلطة القائمة أو سلطة غير مشروعة وقرار غير دستوري ولا قانوني وتهديد للوحدة الوطنية وخطوة خطرة وتعميق للانقسام وتهديد للسلم الأهلي والتحريض ... إلى آخر قائمة التنديدات والتحذيرات من الجريمة التي ارتكبها سعيد صيام والتي وصلت إلى حد الاحتكاك المسلح والاشتباكات شبه اليومية.
وفي الحالة الثانية أخذت أراقب الوضع كعادتي وأفتش وأنقب وأنتظر أياما إلى يومنا هذا وأقلب صفحات الجرائد وأتنقل بين الفضائيات وأرصد الأخبار من هنا وهناك وأسأل وأستفسر علني أقع على تصريح واحد من زعماء التصريحات والتنديدات والمتربصين بالتعقيب على هذه القوة الجديدة وتحديد موقف منها كما فعلوا بقوة غزة المساندة هي الأخرى للشرطة ولكن دون جدوى. لا تجد تصريحا واحدا يندد أو يحذر من ظهور هذه القوة كما فعلوا وردحوا وعنتروا وفجروا على قوة غزة. بل صمتوا وخرسوا وانعقدت ألسنتهم عن بكرة أبيها وهي التي امتدت وتمتد يوميا لتبلغ قاع الأرض من التزوير والتحريض والتهديد وقلب الحقائق. وقد رحت أتأمل في تعقيب أحدهم على حادثة خانيونس قبل يومين لما خرج على إحدى الفضائيات العربية ونصبت له المذيعة كمينا محكما حيث قال بالحرف الواحد دون حياء من شعور الآخرين بالاشمئزاز والقرف من المستوى الوضيع للكذب ودون مقدمات أو تفسيرات تحترم عقول المشاهدين:"ما حصل أن مجموعة من كتائب القسائم اقتحمت مكانا للعزاء وأطلقت النار على المعزين وقتلت اثنين وجرحت عددا آخر"، هكذا ببساطة! وكأن كتائب القسام مجرد مجرمين قتلة لا هم لهم إلا القتل وسفك الدماء كما يريد هذا المعتوه الذي لم يكن يدري الكمين المنصوب له عندما رد الطرف الآخر ليعيد له بعض كرامته التي أهدرها:"أنصحه بعدم قلب الحقائق". مثل هذا وغيره صمتوا صمت القبور على تشكيل قوة جنين المسلحة لتكون ذراعا ضاربة باسمه واسم من هم على شاكلته من الموتورين الذين يعتقدون أن الشعب الفلسطيني يمكن أن يسلم لهم بسلطة أو يسأمنهم على حقوقه.
فسألت نفسي: لماذا تكون قوة جنين قوة خير ومساندة وأمن وسلام وتكون قوة غزة مجرمة وخارجة عن القانون وسلطة خطرة كما سبق وصرح عبد ربه الذي طردته الجبهة الديمقراطية من صفوفها حين انشق عنها ببيان مدوي يتهمه بأنه لا يرى إلا الموقف الأمريكي؟! ثم جاوبت نفسي بأن تنظيم حركة فتح في غزة تم تفتيته وأخضع لهيمنة الأجهزة الأمنية ولفرق الموت والفلتان التي تديرها عصابات أوسلو والتي تحارب وتحطم كل بارقة أمل بعودة الحركة إلى مسارها النضالي التاريخي، ولأن التنظيم في الضفة منضبط بعض الشيء ومطلع على ما يجري وما تخطط له عصابات أوسلو وشيكاغو الجديدة؛ ولأن التذمر وصل مداه وباتت الفضائح والفساد والدسائس والمؤامرات ومخططات التصفية على كل لسان كان لا بد من لجم التنظيم والقائمين عليه والفاعلين فيه سرا وعلانية وكسر إرادتهم وتحطيم طموحاتهم.
فليس من المعقول أن تقوم عصابات الفلتان وقياداتها في غزة بدورها التدميري بكفاءة عالية فيما يجري تخريب مخططاتهم وفضحهم من التنظيم في الضفة. وأخشى ما أخشاه أن يكون ما جرى من إعلان عن تشكيل قوة المساندة في جنين مقدمة لتشكيل قوات بطش ضد شرفاء فتح من نفس الطينة التي تشكلت فيها قوى البطش والتخريب في غزة.
أما أولئك المنخرطون في التدمير والتخريب من حيث يدروا أو لا يدروا فأود أن أقول لهم كلمة:
إن البيادق لا تتحرك بقدر ما يجري تحريكها. لأنها تتربى على الجمود والعصبية حتى تصل إلى حالة العمى التام، ومع ذلك تظل تسمع حتى تتلقى تعليمات بالتحرك، ولأنها كذلك فعليها أن تتعرف بعض الشيء على خصائصها:
فالبيدق لا يحب الحديث إلا عن أقرانه ومصالحه وغاياته وطموحاته وآماله لأنه منغلق ومتعصب ومنكفئ على نفسه ولا يدري ماذا يجري حوله ولا حتى ما يخطط له، كما أنه لا يعترف بعجزه وينكر على الآخرين تميزهم أو قدراتهم ودائم السخرية منهم حتى لو كانوا أنبياء ولا يعترف إلا بأفضليته وأسبقيته باعتباره فقط صاحب الانجازات والأفضال على الآخرين الأغبياء.
لذا يصعب على البيادق أن تتصور مثلا أنها فشلت أو قصرت أو اختلط عليها الأمر أو أنها في الطريق الخاطئ، ويصعب عليها الاعتراف بالخطأ على الرغم من أنها تتفاخر بالنقد والنقد الذاتي، ولأنها ترى في نفسها صاحبة المبادرة الأولى أو المبادرات الكبرى فهي بحاجة دائما لمن يعترف لها بالفضل ويداهنها ويشعرها بأن الآخرين مدينين لها، وأنه لولا جرأتها وشجاعتها واستمرارها لما تمتع الآخرون بما وفرته لهم من امتيازات ونِعَم شتى، لهذا تراها لا تتراجع بسهولة عن خطأ بل وتأخذها العزة بالإثم معتقدة أن إنجازاتها كافية للتغطية على خطيئآتها إن وجدت.
مثل هذه التربية وجدت طريقها إلى داخل الشرائح الاجتماعية، والمصيبة الكبرى عندما تستهدف صغار السن واليافعين ممن لن يعودوا مع بلوغهم الحلم سوى ضالين ومضلين وضائعين ومضيعين، وإن فتشت عن المسؤول عن هذه الحالة فبلا شك ستكون القيادة ونمط التربية السياسية والأيديولوجية الذي تربت عليه وحاربت بموجبه وخاضت معاركها السياسية وغيرها على أساسه، وهنا الطامة الكبرى، إذ سنجد أنفسنا بالمحصلة النضالية لسنا بمناضلين بقدر ما نحن بيادق بعضها سمين وأكثرها هزيل وجميعها لا يقبل إلا رأيه ولا يؤمن إلا بما تربى عليه ولا يعمل إلا بما يملى عليه ولا يفكر إلا بما يريده المحركون وكل إناء بما فيه ينضح وصدق الله إذ يقول من فوق سبع سماوات:"كل نفس بما كسبت رهينة".
نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009