فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 167

الحقيقة الثابتة أنه ما من دولة أوروبية واحدة قامت على النقاء القومي أو العرقي. بل أن كل واحدة منها تتكون من عدة قوميات اجتمعت فيما بينها بموجب قيمة مصطنعة بعنوان «إرادة العيش المشترك» . ولم تكن هذه القيمة لتنجح وتستمر لولا أن «الدولة القومية» هي في المبدأ والمنتهى «دولة رأسمالية استعمارية» ، اجتمعت قومياتها على النهب، وحققت تقدمها وازدهارها الاقتصادي على حساب الشعوب المستعمرة في مشارق الأرض ومغاربها. فلما انتهى «مهرجان النهب الدولي» ، وتكدست نصف ثروة الأرض بيد حمولة حافلة من بين مليارات البشر، وغدت الرأسمالية مدينة بنحو 200 تريليون$، ظهرت «إرادة» أخرى تنزع إلى الانفصال عن «الدولة القومية» .

أول المفارقات العجيبة في الخروج البريطاني، أن «عامل الرأسمال» الذي وقف خلف «إرادة العيش المشترك» ؛ هو ذاته العامل الذي يقف خلف «إرادة الانفصال» ، التي تجتاح «الدولة القومية» في أوروبا قبل غيرها. ومع أن الكثير من الأوروبيين، كالبريطانيين والألمان، لا يرون أنفسهم أوروبيين، وفي مقدمتهم ملكة بريطانيا التي لم تخرج من بلادها منذ ورثت منصبها قبل أكثر من أربعين سنة، بالإضافة على عوامل أخرى، إلا أن «الرأسمال» يبقى «المتغير الدينامي» الأشد بروزا وأثرا، ليس في استمرار تماسك «الاتحاد الأوروبي» ، بل وحتى في استمرار «الدولة القومية ذاتها. ولعل الولايات المتحدة الأمريكية تبقى المثال الأبرز على ذلك. فهي «دولة مصطنعة» لـ «مجتمع لقيط بلا قومية» ، قام كلاهما على «الرأسمال» . بل أن «الرأسمال» يقف خلف كل الحركات الانفصالية التي تضرب مراكز الرأسمالية في العالم، مثل كندا والولايات المتحدة مرورا بالمملكة المتحدة وليس انتهاء بألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا فحسب.

حتى هذه اللحظة؛ يبقى وقْع الزلزال البريطاني أثقل من غيره، كون التاج البريطاني نفسه، المكون من خمس دول: «إنجلترا وكندا وأستراليا وإيرلندا وسكوتلاندا» ، يحمل بذور التفكك أكثر من غيره، في ضوء المشكلة الإيرلندية وسكوتلاندا، فضلا عن مشاعر التفكك الحثيثة التي تنعكس وقائعها منذ عشرات السنين في صراعات بين شمال كندا وجنوبها. فما الذي سيتبقى من التاج البريطاني إذا انفصلت هذه الدول؟ إنجلترا وأستراليا!!!! هل هذه النتيجة تكفي لتغني الانفصاليين بعودةـ «بريطانيا العظمى» ، في الوقت الذي تطالب فيه العرائض الشعبية والسياسية بـ «إعلان لندن مستقلة عن المملكة المتحدة وطلب الانضمام للاتحاد الأوروبي» أو أن «لندن تبقى جزءً من الاتحاد الأوروبي»

إنْ كان اليمين الأوروبي هو الأكثر انتشاء بنتائج الاستفتاء البريطاني، فثمة عشرات التصريحات التي حذرت من ردود «هستيرية» ، وأخرى أيقنت، بما فيها «المكابرون» ، بأن «فكرة أوروبا الموحدة باتت نسجا من الخيال» ، بل واعتبرت نتائج الاستفتاء البريطاني أول مسمار في نعش الاتحاد الأوروبي. ويكفي أن عددا من قادة أوروبا اجتهدوا في التأكيد على ضرورة «تنظيم خروج بريطانيا بعيدا عن الفوضى والهلع» .

ومن جهته لم يتوقف رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، عند الدعوة إلى «تحليل الوضع بهدوء وضبط نفس» ، بل حذر من أن «عواقب قرار البريطانيين ... لا يمكن التنبؤ بها» . «عواقب» ؛ ربما لن يطول وقتها، في ضوء أخطر تقرير لأسبوعية «دير شبيغل - 25/ 6/2016» الألمانية، كتبه مراسلها في إيطاليا، هانز يورغن شلامب، وخطه بعنوان عريض: «دقت ساعة الانفصال عن أوروبا!» ، وقال فيه بأن: «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت